15.30
﴿ فسجد الملئكة كلهم أجمعون ﴾ أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص، وقيل أكد بالكل للإحاطة وبأجمعين للدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة، وفيه نظر إذ لو كان الأمر كذلك كان الثاني حالا لا تأكيدا.
15.31
﴿ إلا إبليس ﴾ إن جعل منقطعا اتصل به قوله: ﴿ أبى أن يكون مع السجدين ﴾ أي ولكن ابليس أبى وإن جعل متصلا كان استئنافا على أنه جواب سائل قال هلا سجد.
15.32
﴿ قال يا إبليس ملك ألا تكون ﴾ أي غرض لك في أن لا تكون. ﴿ مع السجدين ﴾ لآدم.
15.33
﴿ قال لم أكن لأسجد ﴾ اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد. ﴿ لبشر ﴾ جسماني كثيف وأنا ملك روحاني. ﴿ خلقته من صلصل من حمإ مسنون ﴾ وهو أخس العناصر وخلقتني من نار وهي أشرفها، استنقص آدم عليه السلام باعتبار النوع والأصل وقد سبق الجواب عنه في سورة «الأعراف».
15.34-46
﴿ قال فاخرج منها ﴾ من السماء أو الجنة أو زمر الملائكة. ﴿ فإنك رجيم ﴾ مطرود من الخير والكرامة، فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان يرجم بالشهب، وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته.
﴿ وإن عليك اللعنة ﴾ هذا الطرد والإبعاد. ﴿ إلى يوم الدين ﴾ فإنه منتهى أمد اللعن، فإنه يناسب أيام التكليف ومنه زمان الجزاء وما في قوله:
فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظلمين
[الأعراف: 44] بمعنى آخر ينسى عنده هذه. وقيل إنما حد اللعن به لأنه أبعد غاية يضر بها الناس، أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن معه فيصير كالزائل.
﴿ قال رب فأنظرنى ﴾ فأخرني، والفاء متعلقة بمحذوف دل عليه ﴿ فاخرج منها فإنك رجيم ﴾ ﴿ إلى يوم يبعثون ﴾ أراد أن يجد فسحة في الإغواء أو نجاة من الموت، إذ لا موت بعد وقت البعث فأجابه إلى الأول دون الثاني.
﴿ قال فإنك من المنظرين ﴾ ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم ﴾ المسمى فيه أجلك عند الله، أو انقراض الناس كلهم وهو النفخة الأولى عند الجمهور، ويجوز أن يكون المراد بالأيام الثلاثة يوم القيامة، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات فعبر عنه أولا بيوم الجزاء لما عرفته وثانيا بيوم البعث، إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف واليأس عن التضليل، وثالثا بالمعلوم لوقوعه في الكلامين، ولا يلزم من ذلك أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث مع الخلائق في تضاعيفه، وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس لأن خطاب الله له على سبيل الإهانة والإذلال.
﴿ قال رب بمآ أغويتنى ﴾ الباء للقسم وما مصدرية وجوابه. ﴿ لأزينن لهم فى الأرض ﴾ والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور كقوله:
أخلد إلى الأرض
[الأعراف: 176] وفي انعقاد القسم بأفعال لله تعالى خلاف. وقيل للسببية والمعتزلة أولو الاغواء بالنسبة إلى الغي، أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم عليه السلام، أو بالإضلال عن طريق الجنة واعتذروا عن إمهال الله له، وهو سبب لزيادة غيه وتسليط له على إغواء بني آدم بأن الله تعالى علم منه وممن تبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أمهل أو لم يمهل، وأن في إمهاله تعريضا لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب، وضعف ذلك لا يخفى على ذوي الألباب. ﴿ ولأغوينهم أجمعين ﴾ ولأحملنهم أجمعين على الغواية.
﴿ إلا عبادك منهم المخلصين ﴾ الذين أخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من الشوائب فلا يعمل فيهم كيدي. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالكسر في كل القرآن أي الذين أخلصوا نفوسهم لله تعالى.
﴿ قال هذا صرط على ﴾ حق علي أن أراعيه. ﴿ مستقيم ﴾ لا انحراف عنه، والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه، أو الإخلاص على معنى أنه طريق ﴿ على ﴾ يؤدي إلى الوصول إلي من غير اعوجاج وضلال.