تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن كل هذا التطور راجع إلى أن الله خلق المخلوقات وأعطاها خاصية التناسل والتزاوج لتستمر الحياة جيلا بعد جيل، وكل خلق الله الذي تراه في الكون الآن قد وضع الله سبحانه وتعالى فيه من قوانين الأسباب ما يعطيه استمرارية الحياة من جيل إلى جيل حتى ينتهي الكون. فإذا قال لك إنسان: أنا أزرع بذكائي وعلمي. فقل له: أنت تأتي بالبذرة التي خلقها الله، وتضعها في الأرض المخلوقة لله، وينزل الله سبحانه وتعالى الماء عليها من السماء، وتنبت بقدرة الله الذي وضع فيها غذاءها وطريقة إنباتها. إذن: فكل ما يحدث أنك تحرث الأرض، وترمي البذرة. يقول الحق سبحانه وتعالى:

أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون

[الواقعة: 63-64]. صحيح أن الإنسان يقوم بحرث الأرض ورمي البذرة، وربما تعهد الزرع بالعناية والري، ولكن ليس في كل ما يفعله مهمة خلق، بل إن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء، ولو كنت تزرع بقدرتك فأت ببذرة من غير خلق الله، وأرض لم يخلقها الله، وماء لم ينزله الله من السماء. وطبعا لن تستطيع، ولكن ما هو مصدر الأشياء التي استحدثت؟ نقول: إن هناك فرقا بين وجود الشيء بالقوة ووجوده بالفعل.. فالنخلة مثلا حين كانت موجودة بالقوة، كانت نواة، ثم زرعت فأصبحت موجودة بالفعل. وأنت لا عمل لك في الحالتين فلا أنت بقوتك خلقت النواة - التي هي البذرة - ولا أنت بفعلك جعلت النواة تكبر لتصير نخلة بالفعل. على أن هناك أشياء مطمورة في الكون خلقها الله سبحانه وتعالى مع بداية الخلق، ثم تركها مطمورة في الكون حتى كشفها الله لمن يبحث عن أسراره في كونه. وكل كشف له ميلاد. إذا أخذنا مثلا ما تحت الثرى، أو الكنوز الموجودة تحت سطح الأرض. لقد ظلت مطمورة حتى هدى الله الإنسان إليها، وعلمه كيف يستخرجها. فالإنسان لم يخترع مثلا أو يوجد البترول أو المعادن. ولكنها كلها كانت مطمورة في الكون حتى جاء الوقت الذي يجب أن تؤدي فيه دورها في الحياة. فدلنا الحق عليها، فليس معنى أن الشيء كان غائبا عنا أنه لم يكن موجودا، أو أنه وجد لحظة اكتشافنا له. فالشيء الحادث الآن، والشيء الذي سيحدث بعد سنوات.. خلق الله سبحانه وتعالى كل عناصره، وأودعها في الأرض لحظة الخلق. والإنسان بما يكشف الله له من علم يستطيع تركيب هذه العناصر، ولكنه لا يستطيع خلقها أو إيجادها. والحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ ثم استوى إلى السمآء.. ﴾ [البقرة: 29]. حينما يقول الله جل جلاله: " استوى ".. يجب أن نفهم كل شيء متعلق بذات الله على أنه سبحانه ليس كمثله شيء. فالله استوى، والملوك تستوي على عروشها، وأنت تستوي على كرسيك. ولكن لأننا محكومون بقضية

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. لابد أن نعرف أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، والله حي، وأنت حي، هل حياتك كحياته؟ والله سبحانه وتعالى يعلم وأنت لا تعلم. هل علمك كعلمه؟ والله سبحانه وتعالى يقدر. وأنت تقدر. هل قدرتك كقدرته، طبعا لا. فعندما تأتي إلى " استوى " فلا تحاول أن تفهمها أبدا بالمفهوم البشري.. فالله سبحانه وتعالى يعلم ما في الأرض وما في السماء. وهو سبحانه يعلم المكان بكل ذراته، والموجودين في هذا المكان أو المكين بكل ذراته. وأنت تعرف ظاهر الأمر.. والله سبحانه وتعالى يعلم غيب السماوات والأرض حتى يوم القيامة، وبعد يوم القيامة. إذن: فهو جل جلاله ليس كمثله شيء. ولا يمكن أن تحيط أنت بعقلك بفعل يتعلق بذات الله سبحانه وتعالى. فعقلك قاصر عن أن يدرك ذلك. لذلك قل: سبحان الله. ليس كمثله شيء في كل فعل يتصل بذات الله: " استوى إلى السماء " هذا الكلام هو كلام الله. فالمتحدث هو الله عز وجل. بعض الناس يقولون: تلقينا القرآن وحفظناه. نقول لهم: إن الذي حفظ القرآن هو الله سبحانه وتعالى. وما دام قد حفظ كلامه فهو جل جلاله يعلم أن الوجود كله لن يتعارض مع القرآن الكريم.. والله سبحانه وتعالى حفظ القرآن ليكون حجة له على الناس. وما دام الله جل جلاله هو الخالق، وهو القائل، فلا توجد حقيقة في الكون كله تتصادم مع القرآن الكريم.. واقرأ قوله سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٥