وفي مسألة آدم هناك ملحظ يجب على المؤمن أن يتنبه إليه فآدم خلق بيد الله، ونحن مخلوقون بقانون التكاثر، وآدم تلقى التكليف من الله مباشرة وليس بواسطة رسول، وكلف بأمر واحد وهو ألا يأكل من الشجرة. فإذا كان آدم مخلوقا من الله مباشرة ومكلفا من الله مباشرة، ولم يكلف إلا بأمر واحد وهو ألا يقرب هذه الشجرة، ولم تكن هناك تكاليف كثيرة فماذا نسى؟ وماذا تذكر؟ إنها معصية إذن. لقد كان النسيان بالنسبة لآدم معصية لأنه مخلوق بيد الله.
قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي..
[ص: 75]. لذلك فلم يكن من المناسب أن ينسى هذا التكليف الواحد، وما كان يصح له أن ينسى، ولعل سيدنا آدم نسي لحكمة يعلمها الله ربما تكون ليعمر الأرض التي جعله الله خليفة فيها أما بالنسبة لأمة محمد فحينما نقول: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ﴾ [البقرة: 286] فكأننا يا رب نقدرك، حق قدرك، ولا نجترئ على عصيانك عمدا، وإن عصينا فإنما يكون العصيان نسيانا أو خطأ، وهذه معرفة لقدر الحق سبحانه وتعالى. ولكن ما النسيان؟ وما الخطأ؟ أولا فيه " أخطأ " وفيه " خطئ " و " الخطء " لا يكون إلا إثما لأنه تعمد ما لا ينبغي، فأنت تعلم قاعدة وتخطئ، والذي أخطأ قد لا يعرف القاعدة، فأنت تصوب له خطأه لأنه حاد عن الصواب. ومثال ذلك: عندما تتعلم في المدرسة أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، وفي وسط السنة يصححون لك القاعدة حتى تستقر في ذهنك، إنما في أيام الامتحان أيصحح لك المدرس أم يؤاخذك؟ إنه يؤاخذك لأنك درست طوال السنة هذه القاعدة، إذن ففيه خطئ وفيه أخطأ، فأخطأ مرة تأتي عن غير قصد لأنه لا توجد قاعدة أنا خالفتها، أو لم أعرف القاعدة وإنما نطقت خطأ لأنهم لم يقولوا لي، أو قالوا لي مرة ولم أتذكر، أي لم تستقر المسألة كملكة في نفسي لأن التلميذ يخطئ في الفاعل والمفعول مدة طويلة، وبعد ذلك ينضج وتصير اللغة ملكة في نفسه إن كان مواظبا على صيانتها. كان التلميذ في البداية يقول: قطع محمد الغصن، ولا يقولها مشكلة ولكن يسكن الآخر في نهاية نطقه لاسم محمد، وساعة يتذكر القاعدة ينطقها " محمد " بالرفع وينطق " الغصن " بالنصب لماذا؟ لأنه ترد ثلاث قواعد على ذهنه، هذه فاعل والفاعل حكمة الرفع، فهي مرفوعة، فهو يمر بقضية عقلية، لكن بعدما يمر عليها يقرأها صحيحة وقد لا يتذكر القاعدة، فقد صارت المسألة ملكة لغوية عنده، هذه الملكة اللغوية مثلما نقول: " صارت آلية ". ومثال ذلك الصبي الذي يتعلم الخياطة، انظر كم من الوقت يمر ليتعلم كيف يمسك بخيط ليدخله في سم الإبرة، وقد يضربه معلمه أكثر من مرة ليتعلمها وفتلة الخيط تنثني منه لأنها طويلة فيقصرها ثم لا تدخل في العين فيبرمها لتدخل، إنه يأخذ وقتا كثيرا ثم يعمل الغرزة فتخرج غير منتظمة وبعد ذلك يظل مدة، ثم يفعل كل هذه الأعمال بتلقائية وهو يتكلم مع غيره لأن هذه الأعمال صارت ملكة ذاتية أي عملا آليا.
والتدريب على العمل الذهني - حسب قواعد محددة مثل تعلم اللغة - نسميه ملكة. أما التدريب على عمل الجوارح - مثل إدخال الخيط في سم الإبرة - نسميه آلية. وعلى سبيل المثال في العمل الذهني عندما تسأل سؤالا في الفقه لطالب في الأزهر فإنه يحتار قليلا إلى أن يتعرف على الباب الذي فيه إجابة للسؤال، أما إذا سألت السؤال نفسه لعالم مدرب فبمجرد أن توجه له السؤال فإنه يقول لك الحكم والباب الذي فيه هذا الحكم، لقد صار الفقة بالنسبة للعالم ملكة. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ [البقرة: 286] والإصر هو الشيء الثقيل الذي يثقل على الإنسان، ومثال ذلك الإصر الذي نزل على اليهود " إن أردتم التوبة فاقتلوا أنفسكم أو تصدقوا أو زكوا بربع أموالكم " لكن الله لم يعاملنا كما عامل الأمم السابقة علينا، وعندما نقول: ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ [البقرة: 286] فنحن نصدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله نعم " ومعنى قال الله نعم أنه سبحانه وتعالى أجاب الدعاء برفع المشقة عن الأمة. أي أن الله لن يحملنا ما لا طاقة لنا به. وعندما نقول: ﴿ واعف عنا ﴾ [البقرة: 286] فنحن نتوجه إلى الله ضارعين: أنت يا حق تعلم أننا مهما أوتينا من اليقظة الإيمانية والحرص الورعي فلن نستطيع أن نؤدي حقك كاملا، ولذلك لا ندخل عليك إلا من باب أن تعفو عنا. ومعنى العفو محو الأثر، كالسائر في الصحراء تترك قدماه علامة، وتأتي الريح لتزيل هذا الأثر. كأن هناك ذنبا والذنب له أثر، وأنت تطلب من الله أن يمحوا الذنب. وعندما تقول: ﴿ واغفر لنا ﴾ [البقرة: 286] فأنت تعرف أن من مظاهر التكوين البشري النية التي تريد أن تحول العزم إلى حيز السلوك والانفعال النزوعي فالمسألة تحتاج منك إلى تدريب، ومثال ذلك، عندما يذنب واحد في حقك فلك أن ترد عليه الذنب بالذنب، ولك أن تكظم الغيظ، لكن يظل الغيظ موجودا وأنت تحبسه، ولك أن تعفو. لكن ماذا عن مثل هذا الأمر بالنسبة للخالق الذي له كمال القدرة؟ إن الله قد لا يعذب العبد المذنب ولكنه قد يظل غاضبا عليه، ومن منا قادر على أن يتحمل غضب الرب؟ لذلك نطلب المغفرة، ونقول: ﴿ واغفر لنا وارحمنآ ﴾ [البقرة: 286] فنحن ندعوه سبحانه ألا يدخلنا في الذنب الذي يؤدي إلى غضبه - والعياذ بالله - علينا.