تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[البقرة: 81]. وهنا وقفة في الأسلوب لأن " كسب " تعني أن هناك فرقا في المعالجة الفعلية الحدثية بينها وبين كلمة " اكتسبت " ، لأن " اكتسب " فيها " افتعل " أي تكلف، وقام بفعل أخذ منه علاجا، أما " كسب " فهو أمر طبيعي إذن ف " كسب " غير " اكتسب " وكل أفعال الخير تأتي كسبا لا اكتسابا. مثال ذلك عندما ينظر الرجل إلى زوجته، ويرى جمالها، فهل هو يفتعل شيئا، أو أن ذلك أمر طبيعي؟ إنه أمر طبيعي، ولكن عندما ينظر الرجل إلى غير محارمه فإنه يرقب هل يرى أحد النظرة؟ وهل رآه أحد من الناس؟ وهل سينال سخرية واستهزاء على ذلك الفعل أو لا؟ لماذا؟ لأنه ارتكب عملا مفتعلا. مثال آخر، إنسان يأكل من ماله، أو من مال أبيه، إنه يأكل كأمر طبيعي، أما من يدخل بستانا ويريد أن يسرق منه فهو يتكلف ذلك الفعل، ويريد أن يستر نفسه، فصاحب الشر يفتعل، أما صاحب الخير فإن أفعاله سهلة لا افتعال فيها.. فالشر هو الذي يحتاج إلى افتعال. والمصيبة الكبرى ألا يحتاج الشر إلى افتعال لأن صاحبه يصير إلى بلادة الحس الإيماني، وتكون الشرور بالنسبة إليه سهلة لأنه تعود عليها كثيرا، ويقول الحق:

بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته

[البقرة: 81] إن الخطيئة تحيط به من كل ناحية، ولم يعد هناك منفذ، وهو لا يفتعل حتى صارت له ملكة في الشر فاللص مثلا في بداية عمله يخاف ويترقب، لكن عندما تصبح اللصوصية مهنته فإنه يحمل أدوات السرقة ويصير حسه متبلدا.

ففي المرحلة الأولى من الشر يكون أهل الشر في حياء من فعل الشر، وذلك دليل على أن ضمائرهم وقلوبهم ما زال فيها بعض من خير، لكن عندما يعتبرون الشر حرفة وملكة فهنا المصيبة، وتحيط بكل منهم خطيئته وتطوقه ولا تجعل له منفذا إلى الله ليتوب. فالذي يلعب الميسر، أو طوقته خطيئة الفحش قد يقول فرحا: " كانت سهرة الأمس رائعة " ، أما الذي يرتكب الخطأ لأول مرة فإنه يقول: " كانت ليلة سوداء يا ليتها ما حدثت " ، ويظل يؤنب نفسه ويلومها لأنه تعب وأرهق نفسه لأنه ارتكب الخطأ. إذن فقول الحق: ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ [البقرة: 286] يوضح لنا أن فعل الشر هو الذي يحتاج إلى مجهود، فإن انتقلت المسألة من اكتسبت إلى كسبت فهذه هي الطامة الكبرى، ويكون قد أحاطت به خطيئته. ويكون على كل نفس ما اكتسبت. والعاقل هو من يكثر ما لنفسه، لا ما عليها لأن الذي يقول ذلك هو الحق العالم المالك الذي إليه المصير، فليس من هذا الأمر فكاك. وبعد ذلك يقول الحق على لسان عباده المؤمنين: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ﴾ [البقرة: 286]، ولقائل أن يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم طمأننا، فقال:

" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ".

فكيف يأتي القرآن بشيء مرفوع عن الأمة الإسلامية ليدعو به الناس ربهم ليرفعه عنهم؟. على مثل هذا القائل نرد: هل قال لك أحد: إن رفع الخطأ والنسيان والاستكراه كان من أول الأمر؟. لعل الرفع حدث بعد أن دعا الرسول والسابقون من المؤمنين، فما دام قد رفع - بضم الراء وكسر الفاء وفتح العين - فمعنى ذلك أنه كان موجودا، إذن فلا يقولن أحد: كيف تدعو بشيء غير موجود. أو أن ذلك يدل على منتهى الصفاء الإيماني، أي الله يجب ألا يعصى إلا خطأ أو نسيانا، وأن الله لا يصح ولا يستقيم أن يعصى قصدا لأن الذي يعرف قدر الله حقا، لا يليق منه أن يعصي الله إلا نسيانا أو خطأ لأن الخالق هو المنعم بكل النعم، وبعد ذلك كلفنا، وكان يجب ألا نقصد المعصية. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى قد سمى ما حدث من آدم معصية مع أنه يقول:

ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما

[طه: 115]. وسمى الله النسيان في قصة آدم معصية:

وعصى ءادم ربه فغوى

[طه: 121] فكان النسيان أولا معصية، ولكن الله أكرم أمة محمد، فرفع عنها النسيان.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٣