تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. فوصول الرسول عليه الصلاة والسلام ضيع على عبد الله بن أبي الملك، ولقد كان من الممكن أن يؤمن، وأن يلتمس النور من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولو آمن حينئذ ربما أعطي في الآخرة ملكا دائما.. يفوق الملك الذي كان سيحصل عليه في الدنيا، ولكن لأن في قلبه الدنيا وليس الدين، ولأنه يريد رفعة في الدنيا، ولا يريد جنة في الآخرة، فقد ملأ الحقد قلبه فكان ظلمة، وملأ الحسد قلبه فكان ظلمة.. وملأت الحسرة قلبه فكانت ظلمة.. وملأت الكراهية والبغضاء قلبه فكانت ظلمة.. إذن هي ظلمات متعددة. وهكذا في قلب كل منافق ظلمات متعددة.. ظلمة الحقد على المؤمنين وظلمة الكراهية لهم، وظلمة تمني هزيمة الإيمان، وظلمة تمني أن يصيبهم سوء وشر، وظلمة التمزق والألم من الجهد الذي يبذله للتظاهر بالإيمان وفي قلوبهم الكفر.. كل هذه ظلمات، ولكن لا تحاول أن تأخذها بمقاييس عقلك، والمفروض أن المثل هنا لتقريب المعنى.. لأنك إذا قرأت قول الحق سبحانه وتعالى:

وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا

[الإسراء: 45]. كيف يكون الحجاب مستورا؟.. مع أن الحجاب هو الساتر الذي يستر شيئا عن شيء.. ولكن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم.. أنه برغم أن الحجاب يستر شيئا عن شيء، فإن الحجاب نفسه مستور لا نراه، وبعض العلماء يقولون: إن مستورا اسم مفعول، وهو في معنى اسم الفاعل ساتر.. نقول: لا.. واقرأ قوله تبارك وتعالى:

جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا

[مريم: 61]. مأتيا اسم مفعول واسم الفاعل " آت " ، ويقول البعض: وضع اسم المفعول مكان اسم الفاعل.. نقول إنك لم تفهم.. هل وعد الله يلح في طلب العبد.. أم أن العبد يلح في طلبه بعمله فكأنه ذاهب إليه.. والموعود هو المستفيد وليس الوعد.. إذن من دقة القرآن الكريم.. أنه يريد أن ينبهنا إلى أن الموعود هو الذي يسعى للقاء الوعد، وليس الوعد هو الذي يطلب لقاء الموعود فيستخدم اسم الفاعل. فحين يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وتركهم في ظلمات لا يبصرون ﴾ [البقرة: 17].. نفى النور عنهم، والنور لا علاقة له بالسمع ولا بالشم ولا باللمس، ولكنه قانون البصر. وانظر إلى دقة التعبير القرآني.. إذا امتنع النور امتنع البصر.. أي: أن العين لا تبصر بذاتها، ولكنها تبصر بانعكاس النور على الأشياء ثم انعكاسه على العين.. واقرأ قوله تعالى:

وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة..

[الإسراء: 12]. فكأن الذي يجعل العين تبصر هو الضوء أو النور.. فإذا ضاع النور ضاع الإبصار، ولذلك فأنت لا تبصر الأشياء في الظلام، وهذه معجزة قرآنية اكتشفها العلم بعد نزول القرآن.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١