[محمد: 15]. هذه ليست الجنة.. ولكن هذا مثل يقرب الله سبحانه وتعالى لنا به الصورة بأشياء موجودة في حياتنا.. لأنه لا يمكن لعقول البشر أن تستوعب أكثر من هذا، والجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. ومن هنا فإنه لا توجد أسماء في الحياة تعبر عما في الجنة.. واقرأ قوله تعالى:
فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون
[السجدة: 17]. فإذا كانت النفس لا تعلم، فلا توجد ألفاظ تعبر عما يوجد في الجنة، والمثل متى شاع استعماله بين الناس سمي مثلا.. فأنت إذا رأيت شخصا مغترا بقوته، وتريد أن تفهمه أنك أقوى منه تقول له: " إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا " ، ولا توجد ريح ولا إعصار فيما يحدث بينكما، وإنما المراد المعنى دون التقيد بمدلول الألفاظ. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا صورة عما في داخل قلوب المنافقين، من اضطراب وذبذبة وتردد في استقبال منهج الله، وفي الوقت نفسه ما يجري في القلوب غيب عنا، وأراد الله أن يقرب هذا المعنى إلينا.. فقال: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ﴾ [البقرة: 17].. أي حاول أن يوقد نارا، والذي يحاول أن يوقد نارا.. لابد أن له هدفا، والهدف قد يكون الدفء وقد يكون الطهي.. وقد يكون الضوء وقد يكون غير ذلك.. المهم أن يكون هناك هدف لإيقاد النار.. يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ﴾ [البقرة: 17].. ذلك أنهم في الحيرة التي تملأ قلوبهم.
. كانوا قد سمعوا من اليهود أن زمن نبي جديد قد: أتى، فقرروا أن يؤمنوا به، ولكن إيمانهم لم يكن عن رغبة في الإيمان، ولكنه كان عن محاولة للحصول على أمان دنيوي.. لأن اليهود كانوا يتوعدونهم ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن به ونقتلكم به قتل عاد وإرم.. فأراد هؤلاء المنافقون أن يتقوا هذا القتل الذي يتوعدهم به اليهود، فتصوروا أنهم إذا أعلنوا أنهم آمنوا بهذا النبي نفاقا أن يحصلوا على الأمن. إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة.. إنهم أوقدوا هذه النار.. لتعطيهم نورا يريهم طريق الإيمان.. وعندما جاء هذا النور بدلا من أن يأخذوا نور الإيمان انصرفوا عنه، وعندما حدث ذلك ذهب الله بنورهم.. فلم يبق في قلوبهم شيء من نور الإيمان.. فهم الذين طلبوا نور الإيمان أولا.. فلما استجاب الله لهم انصرفوا عنه.. فكأن الفساد في ذاتهم.. وكأنهم هم الذين بدأوا بالفساد، وساعة فعلوا ذلك ذهب الله بنور الإيمان من قلوبهم. ونلاحظ هنا دقة التعبير القرآني في قوله تعالى: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ [البقرة: 17] ولم يقل ذهب الله بضوئهم مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء.. ما هو الفرق بين الضوء والنور؟.. إذا قرأنا قول الحق سبحانه وتعالى:
هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا..
[يونس: 5]. نجد أن الضوء أقوى من النور، والضوء لا يأتي إلا من إشعاع ذاتي.. فالشمس ذاتية الإضاءة.. ولكن القمر يستقبل الضوء ويعكس النور، وقبل أن تشرق الشمس تجد في الكون نورا، ولكن الضوء يأتي بعد شروق الشمس.. فلو أن الحق تبارك وتعالى قال: ذهب الله بضوئهم.. لكان المعنى أنه سبحانه ذهب بما يعكس النور، ولكنه أبقى لهم النور، ولكن قوله تعالى: ﴿ ذهب الله بنورهم.. ﴾ [البقرة: 17].. معناها أنه لم يبق لهم ضوءا ولا نورا.. فكأن قلوبهم يملؤها الظلام، ولذلك قال الله بعدها ﴿ وتركهم في ظلمات لا يبصرون ﴾ [البقرة: 17].. لنعلم أنه لا يوجد في قلوبهم أي نور ولا ضوء إيماني.. كل هذا حدث بظلمهم هم وانصرافهم عن نور الله. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى.. لم يقل وتركهم في ظلام، بل قال: ﴿ في ظلمات.. ﴾ [البقرة: 17].. أي أنها ظلمات متراكمة.. ظلمات مركبة لا يستطيعون الخروج منها أبدا. من أين جاءت هذه الظلمات؟.. جاءت لأنهم طلبوا الدنيا ولم يطلبوا الآخرة، وعندما جاءهم نور الإيمان انصرفوا عنه فصرف الله قلوبهم. مثلا إذا أخذنا قصة زعيم المنافقين " عبد الله بن أبي " نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المدينة وأهلها يستعدون لتتويج " عبد الله بن أبي " ملكا عليها، وعندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف الناس عن " عبد الله بن أبي " إلى استقبال الرسول عليه الصلاة والسلام.