تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنك لا تجد فارقا بين واجد ومعدم إلا في مجتمع لا يؤدي حكم الله في شيء. لقد قلنا ذلك في مجال اضطرار الإنسان إلى الربا لأنه لم يجد من يقرضه قرضا حسنا، ولم يجد من يؤدي فرض الله له من الزكاة لتسع حاجته فاضطر أن يأخذ بالربا، وبذلك يدخل المجتمع الربوي في حرب مع الله، وهل لأحد جلد، على أن يدخل في حرب مع الله؟ لا. والمجتمع الربوي يدخل في حرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم - الربا وقال في حجة الوداع:

" إن كل ربا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله ".

وتلك سمة سمو التشريع السماوي، إن التشريع البشري يحمي به صاحبه أقاربه من التقنين، لكن التشريع السماوي يفرض تطبيقاته أولا على الأقارب. وكان الأسوة في ذلك سيدنا عمر بن الخطاب، فساعة يريد عمر أن يضع التشريع فإنه يجمع أهله وأقاربه ويقول: - سأقوم بعمل كذا وكذا فوالذي نفسي بيده من خالفني في شيء من هذا لأجعلنه نكالا للمسلمين. ويعلنها عمر أمام الناس، ولماذا أعلن عمر ذلك؟ لأن كثيرا من الناس يجعلون أولياء الأمور، وقد لا يكون أولياء الأمور على دراية بذلك فقد نجد واحدا يدخل على قوم على أساس أنه فلان بن فلان، وبالرعب يقضي هذا الإنسان مصالحه عند الناس برغم أنف الناس. وقد يكون ولي الأمر لا يعرف عن مثل هذا التصرف شيئا. لكن حين يعلن ولي الأمر على الناس ولأقاربه أنه لا تفرقة أبدا فيما يقنن وأن القانون سائر على نفسه وعلى أهله فمن استغل اسما لولي الأمر أو اصطنع شيئا فالتبعة على من فعل له وعليه، وبذلك تستقيم الأمور. لكن أن تظهر الحقائق في استغلال أقارب الحكام بعد انتهاء فترات حكم الحكام، فهنا نقول: ولماذا لم نعرف كل شيء من البداية؟. وأين كانت الحقائق في وقتها؟. إن الحاكم المسلم عليه أن يعلن للمحكومين أن القوانين إنما تطبق عليه أولا وعلى من يعول. هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع

" وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ".

وفي معركة بدر، أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم أهل بيته ليحاربوا لأنه لو لم يخرج أحدا من أهل بيته لقال واحد من الكفار: إنه يحمي أهل بيته، ولو أن أجر الاستشهاد هو الجنة فلماذا يقدم الأباعد ولا يقدم أحبابه للقتال؟ لكن هاهو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم أقاربه وأحبابه، فهو العارف من ربه بأمر الشهادة وكيف أنها تقصر على الإنسان متاعب الحياة وتدخل الجنة.

هكذا كانت المحاباة في صدر الإسلام، إنها محاباة في الباقي، ولم تكن كمحاباة الحمقى في الفاني. وحين يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ويضرب على أيدي المرابين فهذه هي الحرب التي يجب أن تقوم، حرب من الله المالك القادر على المحاربة، أما الضعاف الذين لا يستطيعون القتال فهم لا يحاربون لأنهم أمام خالقهم وقاهرهم فلا يقدرون على حربه ولذلك يجب أن تتنبه الدولة إلى مثل هذه الأمور وتقنن تقنينا إسلاميا وبعد ذلك إذا لم تتسع الزكاة المفروضة إلى ما يقوم بأود المحتاجين فلتفرض الدولة ما تشاء لتفي بحاجة المحتاجين. والحق سبحانه وتعالى بعد أن أوضح الأمر عقيدة في قوله:

الله لا إله إلا هو الحي القيوم

[البقرة: 255]، وتقنينا للعقيدة في قوله:

لا إكراه في الدين

[البقرة: 256]، وحماية للعقيدة بأمره سبحانه المؤمنين أن يقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، وبعد ذلك تكلم الحق عن حماية حركة الاقتصاد في الإنفاق أولا في سبيل الله، والإنفاق على المحتاجين. يقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٦