وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72] لقد ظلم الإنسان نفسه حيث حمل الأمانة ولم يف بها فلذلك فهو ظلوم. وهو جهول لأنه قدر وقت التحمل، ولم يقدر وقت الأداء، أو ضمنها ثم خاس وخالف ما عاهد نفسه على أدائها. إذن فالإنسان وإن كان واثقا أنه سيؤدي الأمانة إلا أنه عرضة للأغيار، لذلك قال الحق سبحانه:
ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله
[البقرة: 282] فالكتابة فرصة ليحمي الإنسان نفسه من الضعف وقت الأداء، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يوثق الأمر توثيقا لا يجعلك أيها العبد خاضعا لذمتك الإيمانية فقط، ولكنك تكون خاضعا للتوثيق الخارج عن إيمانيتك أيضا، وذلك يكون بكتاب الدين صغيرا أو كبيرا إلى أجله. ويقول الحق سبحانه: ﴿ ولا تكتموا الشهادة ﴾ [البقرة: 283] وهذه الكلمة " ولا تكتموا " إنما هي أداء معبر، لأن كلمة " شهادة " تعني الشيء الذي شهدته، فما دمت قد شهدت شيئا فهو واقع، والواقع لا يتغير أبدا، ولذلك فالإنسان الذي يحكي لك حكاية صدق لا يختلف قوله في هذه الحكاية حتى وإن رواها ألف مرة لأنه يستوحي واقعا. لكن الكذاب يستوحي غير واقع، فيقول كلمة، وينسى أنه كذب من قبل فيكذب كذبة أخرى لأنه لا يستوحي واقعا. فكلمة الشهادة هي عن أمر مشهود واقع، وما دام الأمر مشهودا وواقعا، فإنه يلح على نفس من يراه أن يخرج، فإياك أن تكبته بالكتم لأن كلمة " الكتم " يعني أن شيئا يحاول أن يخرج وأنت تحاول كتمانه، لذلك يقول الحق: ﴿ ولا تكتموا الشهادة ﴾ [البقرة: 283] فكأن الطبيعة الإيمانية الفطرية تلح على صاحبها لتنطقه بما كان مشهودا له لأنه واقع.
لذلك يأتي الأمر من الحق ﴿ ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ﴾ [البقرة: 283]. وقد يسأل الإنسان: هل الكتم هنا صفة للقلب أو للإنسان الذي لم يقل الشهادة؟. إن الشاعر يقول:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وساعة يؤكد الله شيئا فهو يأتي بالجارحة التي لها علاقة بهذا الصدد، فتقول: أنا رأيته بعيني وسمعته بأذني، وأعطيته بيدي ومشيت له برجلي. إنك تذكر الجارحة التي لها دخل في هذه المسألة. وعندما يقول الحق: ﴿ فإنه آثم قلبه ﴾ [البقرة: 283] إن كل الجوارح تخضع للقلب: ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ [البقرة: 283] أي أن كتمك للحقيقة لن يغير من واقع علم الله شيئا، وحينما تنتهي مسألة المداينة والتوثيق فيها وظروفها سواء كانت في الموطن العادي أو في أثناء السفر فإن الله يضمن للإنسان المتحرك في الحياة حركة شريفة وطاهرة. فإن لم تكن هذه فالمصالح تتوقف، ويصيبها العطل، فالذي لا يقدر على الحركة فماذا يصنع في الحياة؟. إن قلبه يمتلئ بالحقد على الواجد، وحين يمتلئ قلبه بالحقد على الواجد فإنه يكره النعمة عنده، وحين يكره المعدم النعمة عند أخيه الواجد، فالنعمة نفسها تكره أن تذهب إلى من كره النعمة عند أخيه. إنها مسائل قد رتبها الحق سبحانه بعضها متعلق بالبعض الآخر. إن النعمة تحب المنعم عليه - بضم الميم وفتح العين - أكثر من حب المنعم عليه للنعمة وتذهب إلى من أنعم الله عليه بها بعشق، فمن كره النعمة عند منعم عليه فالنعمة تستعصي عليه حتى كأنها تقول له: لن تنال مني خيرا. وليجربها كل إنسان. أحبب النعمة عند سواك فستجد نعمة الكل في خدمتك، إنك إن أحببت النعمة عند غيرك فإنها تأتي إليك لتخدمك. وأيضا فعلى المؤمن أن يعرف أن بعض النعم ليست وليدة كد وجهد، قد تكون النعمة مجرد فضل من الله، يفضل به بعض خلقه، فحين تكرهها أنت عند المنعم عليه تكون قد اعترضت على قدر الله في النعمة. وحين تعترض على قدر الله في النعمة فإن الحق - سبحانه - لا يجعلك تنتفع منها بشيء. فإن رأيت قريبا حبس نعمته عن أقاربه فاعلم أنهم يكرهون النعمة عنده. ولو أحبوها لسعت النعمة إليهم. إن المنهج الإلهي يريد أن يجعل الناس كتلة متكافلة متكاملة بحيث إذا رأيت أنا النعمة عندك ونلت منها، أحببتها عندك، وحين أحب النعمة عندك فإن العطاء يجيء من هذه النعمة إلي، ولا تجد فارقا بين واجد ومعدم.