" من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه "
، ما دام قد مات ولم يؤد إذن فقد كان في نيته أن يماطل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنع أصحابه من الصلاة عليه. والرسول صلى الله عليه وسلم يأتي للمعسر ويعامله معاملة الأريحية الإيمانية فيقول:
" من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ".
ومعنى " أنظر " أي أمهله وأخر أخذ الدين منه فلا يلاحقه، فلا يحبسه في دينه، فلا يطارده، وإن تسامى في اليقين الإيماني، يقول له: " اذهب، الله يعوض علي وعليك " وتنتهي المسألة، ولذلك يقول الحق: ﴿ وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ [البقرة: 280] والثمرة هي حسن الجزاء من الله. فإما أن تنظر وتؤخر، وإما أن تتصدق ببعض الدين أو بكل الدين، وأنت حر في أن تفعل ما تشاء. فانظروا دقة الحق عند تصفية هذه القضية الاقتصادية التي كانت الشغل الشاغل للبيئة الجاهلية. ولقد عرفنا مما تقدم أن الإسلام قد بنى العملية الاقتصادية على الرفد والعطاء، وتكلم الحق سبحانه وتعالى عنها في آيات النفقة التي سبقت من أول قوله تعالى:
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة
[البقرة: 261]. وتكلم طويلا عن النفقة. والنفقة تشمل ما يكون مفروضا عليك من زكاة، وما تتطوع به أنت. والمتطوع بشيء فوق ما فرض الله يعتبره سبحانه حقا للفقير، ولكنه حق غير معلوم، ولذلك حينما تعرضنا إلى قوله سبحانه:
إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من اليل ما يهجعون
[الذاريات: 15-17]. أيتطلب الإسلام منا ألا نهجع إلا قليلا من الليل؟ لا، إن للمسلم أن يصلي العشاء وينام، ثم يقوم لصلاة الفجر، هذا ما يطلبه الإسلام. لكن الحق سبحانه هنا يتكلم عن المحسنين الذين دخلوا في مقام الإحسان مع الله.
إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من اليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون
[الذاريات: 15-18]. هل التشريع يلزم المؤمن أن يقوم بالسحر ليستغفر؟ لا، إن المسلم عليه أن يؤدي الفروض، ولكن إن كان المسلم يرغب في دخول مقام الإحسان فعليه أن يعرف الطريق:
وبالأسحار هم يستغفرون
[الذاريات: 18]. والكلام هنا في مقام الإحسان. ويضيف الحق عن أصحاب هذا المقام:
وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 19]. إن الله سبحانه قد حدد في أموال من يدخل في مقام الإحسان حقا للسائل والمحروم، ولم يحدد الله قيمة هذا الحق أو لونه. هل هو معلوم أو غير معلوم. لكن حين تكلم الله عن المؤمنين قال سبحانه:
والذين في أموالهم حق معلوم * للسآئل والمحروم
[المعارج: 24-25]. وهكذا نجد في أموال صاحب مقام الإحسان حقا للسائل والمحروم، لكن في أموال صاحب الإيمان حق معلوم وهو الزكاة. ومقام الإحسان يعلو مقام الإيمان لأن الحق في مال المؤمن معلوم، أما في مقام الإحسان، فإن في مالهم حقا للإحسان إلى الفقير وإن لم يكن معلوما، أي لم يحدد. وقد رأينا بعض الفقهاء قد اعتبر الزكاة - ما دامت حقا للفقير عند الغني - فإن منع الغني ما قدره نصاب سرقة تقطع يد الغني، لأنه أخذ حق الفقير. ونصاب السرقة ربع دينار ذهبا، فيبني الإسلام قضاياه الاجتماعية إما على النفقة غير المفروضة وإما على النفقة المفروضة. فإذا ما شحت نفوس الناس، ولم تستطع أن تتبرع بالقدر الزائد على المفروض، وتمكن حب مالها في نفسها تمكنا قويا بحيث لا تتنازل عنه يقول الله سبحانه لكل منهم: أنت لم تتنازل عن مالك، وأنا حرمت الربا، فكيف نلتقي لنضع للمجتمع أساسا سليما؟ سنحتفظ لك بمالك ونمنع عنك فائدة الربا، وهكذا نلتقي في منتصف الطريق، لا أخذنا مالك، ولا أخذت من غيرك الزائد على هذا المال.