ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا..
[الحج: 40] فهذه الأماكن هي التي تبقى أصول القيم في التدين. " وأصول القيم في التدين " غير " كل القيم في التدين " ، ولذلك نحن قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى جعل للإسلام خمسة أركان، وهي التي بني عليها الإسلام. ولابد أن نقيم بنيان الإسلام على هذه الأركان الخمسة، فلا تقل: إن الإسلام هو هذه الأركان الخمسة، لا لأن الإسلام مبني عليها فقط فهي الأعمدة أو الأسس التي بني عليها الإسلام. فأنت حين تضع أساسا لمنزل وتقيم الأعمدة فهذا المنزل لا يصلح بذلك للسكن، بل لابد أن تقيم بقية البنيان، إذن فالإسلام مبني على هذه الأسس. والحق سبحانه وتعالى يوضح ذلك فيأمر بالمحافظة على أماكن هذه القيم لأن المساجد - ونحن نتكلم بالعرف الإسلامي - هي ملتقى فيوضات الحق النورانية على خلقه، فالذي يريد فيض الحق بنوره يذهب إلى المسجد. إذن لكيلا تفسد الأرض لابد أن توجد أماكن العبادة هذه، فمرة جاء الحق بالنتيجة ومرة جاء بالسبب. ولماذا يدفع الله الناس بعضهم ببعض؟ لأن هناك أناسا يريدون الشر وأناسا يريدون الخير، فمن يريد الشر يدفع من يريد الخير، وإذا وقعت المعركة بهذا الوصف فإن يد الله لا تتخلى عن الجانب المؤمن الباحث عن الخير، فهو سبحانه القائل:
ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز
[الحج: 40]. أي إن المعركة لا تطول. ولذلك قلنا سابقا: إن المعارك التي نراها في الكون لا نجد فيها معركة بين حقين لأنه لا يوجد في الوجود حقان، فالحق واحد، فلا يقولن أحد: إنه على حق وخصمه على حق. لا، إن هناك حقا واحدا فقط. والمعركة - إن وجدت - توجد بين حق وباطل، أو بين باطل وباطل. والمعركة بين الحق والباطل لا تطول لأن الباطل زهوق.
والذي يطول من المعارك هي المعارك بين الباطل والباطل فليس أحدهما أولى بأن ينصره الله. فهذا على فساد وذاك على فساد، وسبحانه يدك هذا الفساد بذاك الفساد. وحين يندك هذا الفساد بذاك الفساد، فجناحا الفساد في الكون ينتهيان. ويأتي من بعد ذلك أناس ليس عندهم فساد ويعمرون الكون. والمعارك التي تدور في أي مكان تجد أن هذا الطرف له هوى والآخر له هوى مختلف. ولا يقف الله في أي جانب منهما لأنه ليس هناك جانب أحق بالله من الآخر لذلك يتركهم يصطرع بعضهم مع بعض، وما دام الحق قد تركهم لبعضهم البعض فلا بد أن تطول المعركة. ولو كان الله في بال جانب منهم لوقف سبحانه في جانبه. وكذلك نرى في معارك العصر الحديث أن المعركة تطول وتطول لأننا لا نجد القسم الثالث الذي جاء في قوله سبحانه:
وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين
[الحجرات: 9]. إن الحق سبحانه وتعالى يأمر عند اقتتال طائفتين من المؤمنين أن يصلح بينهما قوم مؤمنون، فإن تعدت إحداهما على الأخرى، ورفضت الصلح فالحق يأمر المؤمنين بأن يقاتلوا الفئة التي تتعدى إلى أن ترجع إلى حكم الله، فإن رجعت إلى حكم الله فالإصلاح بين الفئتين يكون بالإنصاف لأن الله يحب العادلين المنصفين. ونحن نجد الباطل يتقاتل مع الباطل لذلك لا نجد من يصلح بين الباطلين، بل نجد أهواء تتعارك، وكل جانب ينفخ في الطائفة التي تناسب هواه. وهذه هي الخيبة في الكون المعاصر إن المعارك تطول لأنه ليس في بال المتقاتلين شيء جامع، ولو كان في بالهم شيء جامع، لما حدثت الحرب. وما داموا قد غفلوا عن هذا الشيء الجامع، فمن المفروض أن تتدخل الفئة القادرة على الإصلاح، ولكن حتى هؤلاء لم يدخلوا للإصلاح، وهذا معناه أن الخيبة في العالم كله. وسيظل العالم في خيبة إلى أن يرعووا ويرتدعوا. إنهم يطيلون على أنفسهم أمد التجربة وسيظلون في هذه الخيبة حتى يفطنوا إلى أنه لا سبيل إلى أن تنتهي هذه المشاكل إلا أن يرجعوا جميعا عن أهوائهم إلى مراد خالقهم. ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ [البقرة: 251]، نعم تفسد الأرض فيما جعل الله للإنسان يدا فيه، أما الشيء الذي لم يجعل الله للإنسان يدا فيه فستظل النواميس كما هي لا يؤثر فيها أحد، فلا أحد يؤثر في الشمس أو القمر أو الهواء أو المطر، إنما الفساد جاء فيما للإنسان فيه يد. انظر إلى الكون، إنك تجد المسائل التي لا دخل للإنسان فيها مستقيمة على أحسن ما يكون، وإنما يأتي الفساد من النواحي التي تدخل فيها الإنسان بغير منهج الله.