قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين
[التوبة: 14]. إنه دفع الله المؤمنين ليقاتلوا الكافرين، ويعذب الحق الكافرين بأيدي المؤمنين. وعندما نتأمل القول الحكيم: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ [البقرة: 251] فإننا نجد مقدمة سابقة تمهد لهذا القول، لقد أخرجوا من ديارهم وأبنائهم، فكان هذا هو مبرر القتال. وتجد آية أخرى أيضا تقول:
الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز
[الحج: 40]. والسياق مختلف في الآيتين، السياق الذي يأتي في سورة البقرة عن أناس يحاربون بالفعل، والسياق الذي يأتي في سورة الحج عن أناس مؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم المستضعفون من مكة لينضموا إلى إخوتهم المؤمنين في دار الإيمان ليعيدوا الكرة، ويدخلوا مكة فاتحين. صحيح أننا نجد وحدة جامعة بين الآيتين. وهو الخروج من الديار. إذن فمرة يكون الدفاع بأن تفر لتكر.. أي أن تخرج من ديار الكفر مهاجرا لتجمع أمر نفسك أنت ومن معك وتعود إلى بلدك مقاتلا فاتحا، ومرة يكون الدفاع بأن تقاتل بالفعل، فالآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هنا تفيد أنهم قاتلوا بالفعل، والآية الثانية تفيد أنهم خرجوا من مكة ليرجعوا إليها فاتحين، فالخروج نفسه نوع من الدفع، لماذا؟ لأن المسلمين الأوائل لو مكثوا في مكة فربما أفناهم خصومهم فلا يبقى للإسلام خميرة، فذهبوا إلى المدينة وكونوا الدولة الإسلامية ثم عادوا منتصرين فاتحين:
إذا جآء نصر الله والفتح
[النصر: 1]. إن السياق في الآيتين واحد ولكن النتيجة تختلف، هنا يقول الحق: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ [البقرة: 251] لماذا تفسد الأرض؟ لأن معنى دفع الله الناس بعضهم ببعض أن هناك أناسا ألفوا الفساد، ويقابلهم أناس خرجوا على من ألف الفساد ليردوهم إلى الصلاح. ويعطينا الحق سبحانه وتعالى في الآية الثانية السبب فيقول:
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا..
[الحج: 40]. والصوامع هي ما يقابل الآن الدير للنصارى وكانوا يتعبدون لله فيها، لأن فيه متعبدا عمل بالتكليف العام ومتعبدا آخر قد ألزم نفسه بشيء فوق ما كلفه الله به. فالذين يعبدون الله بهذه الطريقة يجلسون في أماكن بعيدة عن الناس يسمونها الصوامع، وهي تشبه الدير الآن. والمعنى العام في التعبد للنصارى هو التعبد في الكنائس وهو المقصود بالبيع، والمعنى الخاص هو التعبد في الصوامع. إذن " لهدمت صوامع " هذه لخاصة المتدينين، وكنائس أو بيع لعامة المتدينين. وقول الحق: " وصلوات " ، من صالوت، وهي مكان العبادة لليهود، و " مساجد " وهي مساجد المسلمين. إن قوله تعالى: ﴿ لفسدت الأرض ﴾ [البقرة: 251] في هذه الآية، وقوله تعالى هناك
لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد
[الحج: 40] أي أنه ستفسد الأرض إذا لم تقم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد لأنها هي التي تربط المخلوق بالخالق. وما دامت تلك الأماكن هي التي تربط المخلوق بالخالق فإن هدمت.. يكون الناس على غير ذكر لربهم وتفتنهم أسباب الدنيا. فالأديرة والكنائس والصوامع - حين كانت - والمساجد الآن هي حارسة القيم في الوجود، لأنها تذكرك دائما بالعبودية وتمنع عنك الغرور، وهي من السجود الذي هو منتهى الخضوع للرب، نخضع بها لله خمس مرات في اليوم والليلة فإن كان عند العبد شيء من الغرور لابد أن يذوب، ويعرف العبد أن الكون كله فضل من الله على العباد فلا يدخلك أيها المسلم شيء من الغرور.
فإذا لم يدخلك شيء من الغرور استعملت أسباب الله في مطلوبات الله. أما أن تأخذ أنت أسباب الله في غير مطلوبات الله فهذه قحة منك. فإذا كان الله قد أقدر يدك على الحركة فلماذا تعصى الله بها وتضرب بها الناس؟ والله أقدر لسانك على الكلام، فلماذا تؤذي غيرك بالكلمة؟ إن الله قد أعطاك النعمة فلا تستعملها في المعصية. قال الله تعالى في هذه الآية: ﴿ لفسدت الأرض ﴾ [البقرة: 251] وشرح ذلك في قوله تعالى: