تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن

[الطلاق: 4]. أي أن المرأة التي انقطعت عنها الدورة الشهرية فعدتها " ثلاثة أشهر " الحكم نفسه للصغيرة التي لم تحض بعد، أي عدتها ثلاثة أشهر. إذن فنظام العدة له حالات: * إن كانت غير حامل فعدتها ثلاثة قروء أي ثلاثة أطهار إن كانت ممن يحضن. * إن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها. * وإن لم تكن حاملا وقد بلغت سن اليأس ولم تعد تحيض، أو كانت صغيرة لم تصل لسن الحيض، هذه وتلك عدتها ثلاثة أشهر. وقوله تعالى: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ [البقرة: 228] يدل على أن المرأة لها شهادتها لنفسها في الأمر الذي يخصها ولا يطلع عليه سواها. وهي التي تقرر المسألة بنفسها، فتقول: أنا حامل أولا، وعليها ألا تكتم ذلك، فقد يجوز أن تكون حاملا وبعد ذلك تكتم ما في بطنها حتى لا تنتظر طول مدة الحمل وتتزوج رجلا آخر فينسب الولد لغير أبيه، فغالبا ما يستمر الحمل تسعة أشهر ولكن فيه استثناء، فهناك حمل مدته سبعة شهور، وأحيانا ستة شهور. وقد تتزوج المرأة المطلقة بعد ثلاثة شهور وتدعي أنها حامل من الزوج الجديد وأن حملها لم يستمر سوى سبعة أشهر أو ستة أشهر. وبعضنا يعرف قصة الحامل في ستة شهور، فقد جاءوا بامرأة لسيدنا عثمان رضي الله عنه لأنها ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقيم عليها حد الزنى، فتدخل الإمام علي ابن أبي طالب وقال: كيف تقيم عليها الحد لأنها ولدت لستة أشهر، ألم تقرأ قول الحق سبحانه وتعالى؟ قال عثمان: وماذا قال الحق في ذلك؟ فقرأ الإمام علي قول الله:

والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين

[البقرة: 233]. أي أنها ترضع الوليد لمدة أربعة وعشرين شهرا، وفي آية أخرى قال الحق:

حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا

[الأحقاف: 15]. فإذا أخذنا من الآية الأولى أربعة وعشرين شهرا وهي مدة الرضاع وطرحناها من الثلاثين شهرا التي تجمع بين الحمل والرضاع في الآية الثانية فهمنا أن الحمل قد يكون ستة أشهر. هنا قال سيدنا عثمان متعجبا: والله ما فطنت لهذا. إذن فحمل الستة الشهور أمر ممكن، ومن هنا نفهم الحكمة في قوله تعالى: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ [البقرة: 228]، حتى لا تدعي المرأة أنها ليست حاملا وتتزوج رجلا آخر وتنسب إليه ولدا ليس من صلبه ويترتب على ذلك أكثر من إشكال، منها ألا يرث الولد من الأب الأول، وأن محارمه لم تعد محرمة عليه، فأخته من أبيه لم تعد أخته، كذلك عماته وخالاته وتنقلب الموازين، هذا من جانب الأب الأصلي. أما من جانب الزوج الثاني فالطفل يكتسب حقوقا غير مشروعة له، سيرث منه، وتصبح محارم الرجل الثاني محارمه فيدخل عليهن بلا حق ويرى عوراتهن، وتحدث تداخلات غير مشروعة. إذن فقوله الحق: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ [البقرة: 228] هو قول يريد به الحق أن تقوم الحياة على طهر وعلى شرف وعلى عفاف، ولا يعتدي أحد على حقوق الآخر. هذا بالنسبة للحمل. فكيف يكون الحال بالنسبة للحيض؟ أيضا لا يحل لها أن تكتم حيضا لتطيل زمن العدة مع زوجها. ويقول الحق: ﴿ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ [البقرة: 228]. فما علاقة الإيمان هنا بالحكم الشرعي؟ إنها علاقة وثيقة لأن الحمل أو الحيض مسائل خفيفة لا يحكمها قانون ظاهر، إنما الذي يحكمها هو عملية الإيمان، ولذلك قيل: " الغيب لا يحرسه إلا غيب " وما دام الشيء غائبا فلن يحرسه إلا الغيب الأعلى وهو الله تعالى. ويتابع الحق: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ﴾ [البقرة: 228] البعل هو الزوج، وهو الرب والسيد والمالك، وفي أثناء فترة التربص يكون الزوج أحق برد زوجته إلى عصمته، وقوله تعالى: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن ﴾ [البقرة: 228] هل يعني ذلك أن هناك أناسا يمكن أن يشاركوا الزوج في الرد؟ لأن الحق جاء بكلمة " أحق " وفي ظاهرها تعطي الحق لغير الأزواج أن يراجعوا؟ لا، إنما المقصود هو أنه لا حق لأحد هنا إلا للزوج، فالرد خلال العدة من حق الزوج، فليس للزوجة أن تقول: لا، وليس لولي الزوجة أن يقول: لا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٧