أما أن نلتقط نظرية وليدة في طور البحث والدراسة، ثم نفرح بربطها بالقرآن كما حدث أوائل العصر الحديث والنهضة العلمية، حين اكتشف العلماء المجموعة الشمسية، وكانت في بدايتها سبعة كواكب فقط مرتبة حسب قربها من الشمس في المركز: عطارد، فالزهرة، فالأرض، فالمريخ، فالمشتري، فزحل، فأورانوس. وهنا أسرع بعض علمائنا الكبار - منهم الشيخ المراغي - بالقول بأنها السماوات السبع، وكتبوا في ذلك بحوثا، وفي القرآن الذي سبق إلى هذا. ومرت الأيام، واكتشف العلماء الكواكب الثامن نبتون، ثم التاسع. إذن: ربط النظرية التي لم تتأكد بعد علميا بالقرآن خطأ كبير، ومن الممكن إذا توفر لهم أجهزة أحدث ومجاهر أكبر - كما يقول بعض علماء الفضاء - لاكتشفوا كواكب أخرى كثيرة، لأن مجموعتنا الشمسية هذه واحدة من مائة مليون مجموعة في المجرة التي نسميها سكة التبانة، والإغريق يسمونها الطريق اللبني. وهذه الكواكب التي نراها كبيرة وعظيمة، لدرجة تفوق تصورات الناس، فالشمس التي نراها هذه أكبر من الأرض بمليون وربع مليون مرة، وهناك من الكواكب ما يمكنه ابتلاع مليون شمس في جوفه. والمسافة بيننا وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية، وتحسب الدقيقة الضوئية بأن تضرب في ستين ثانية، الثانية الواحدة السرعة فيها 186 ألف ميل يعني: ثلاثمائة ألف كيلومتر. أما المسافة بين الأرض والمرأة المسلسلة فقد حسبوها بالسنين الضوئية لا الدقائق، فوجدوها مائة سنة ضوئية، أما الشعرى الذي امتن الله به في قوله
وأنه هو رب الشعرى
[النجم: 49] فهو أبعد من ذلك. وهذه الكواكب والأفلاك كلها في السماء الدنيا فقط، فما دخل هذا بالسماوات السبع التي تحدثوا عنها؟! لذلك حاول كثيرون من عشاق هؤلاء العلماء أن يمحوا هذه المسألة من كتبهم، حتى لا تكون سبة في حقهم وزلة في طريقهم العلمي. كذلك من النظريات التي قالوا بها وجانبت الصواب قولهم: إن المجموعة الشمسية ومنها الأرض تكونت نتيجة دوران الشمس وهي كتلة ملتهبة، فانفصل عنها بعض طراطيش، وخرج منها بعض الأجزاء التي بردت بمرور الوقت، ومنها تكونت الأرض، ولما بردت الأرض أصبحت صالحة لحياة النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان بدليل أن باطن الأرض ما يزال ملتهبا حتى الآن. وتتفجر منه براكين كبركان فيزوف مثلا. والقياس العقلي يقتضي أن نقول: إذا كانت الأرض قطعة من الشمس وانفصلت عنها، فمن الطبيعي أن تبرد مع مرور الزمن وتقل حرارتها حتى تنتهي بالاستطراق الحراري، إذن: فهذه نظرية غير سليمة، وقولكم بها يقتضي أنكم عرفتم شيئا عن خلق السماوات والأرض ما أخبر الله به، وقد قال تعالى:
مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض..
[الكهف: 51]. ثم يقول في آية جامعة
وما كنت متخذ المضلين عضدا
[الكهف: 51]. والمضل هو الذي يأخذ بيدك عن الحقيقة إلى الباطل، وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى ما سيكون من أقوال مضللة في هذه المسألة تقول: حدث في الخلق كيت وكيت. والواجب علينا أن نأخذ هذه التفاصيل من الخالق - عز وجل - وأن نقف عند هذا الحد، لأن معرفتك بكيفية الشيء ليست شرطا لانتفاعك به، فأنت تنتفع بمخلوقات الله وإن لم تفهم كيف خلقت؟ وكيف كانت؟ انتفعنا بكروية الأرض وبالشمس وبالقمر دون أن نعرف شيئا عنها، ووضع العلماء حسابات للكسوف وللخسوف والأوقات قبل أن تكتشف كروية الأرض. فالرجل الأمي الذي لا يعلم شيئا يشتري مثلا " التليفزيون " ويتعلم كيفية تشغيله والانتفاع به، دون أن يعلم شيئا عن تكوينه أو كيفية عمله ونقله للصورة وللصوت.. إلخ. فخذ ما في الكون من جمال وانتفع به كما خلقه الله لك دون أن نخوض في أصل خلقه وكيفية تكوينه، كما لو قدم لك طعام شهي أتبحث قبل أن تأكل: كيف طهي هذا الطعام؟! وقد تباينت آراء العلماء حول هذه الآية ومعنى الرتق والفتق، فمنهم من قال بالرأي الذي قالته التوراة، وأنها كانت جوهرة نظر الله إليها نظرة المهابة، وحدث لها كذا وكذا، وتكونت السماء والأرض. ومنهم من رأى أن المعنى خاص بكل من الأرض والسماء، كل على حدة، وأنهما لم يكونا أبدا ملتحمتين، واعتمدوا على بعض الآيات مثل قوله تعالى: