تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يقول الراوي: وقد مر علي زمان ما كنت أبالي أيكم بايعت، فلئن كان مسلما ليردنه علي دينه يعني: إن غشني في شيء أو حدث خطأ ما في البيع ولئن كان يهوديا أو نصرانيا ليردنه علي ساعيه أي: الناس المكلفون بمراقبة الأسواق، وهم أهل الحسبة، فإن رأوا غشا منعوه، وردوا إلى صاحب الحق حقه وأما الآن فأنا لا أكاد أبايع منكم إلا فلانا وفلانا فإن كان هذا في أيامهم فما بال أيامنا؟ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:

" الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة "

أي: رغم كثرتها لا تجد فيها جملا يحمل رحلك ويحملك. وفي رواية أخرى: " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا " أي: كنسج الحصير، عودا بعد عود، حتى تتم الحصيرة، ثم يكون الران على القلب. فغفلة هؤلاء غفلة عن القمة، وعن الألوهية، لا عن التكاليف لأنهم ليسوا مؤمنين بالمكلف سبحانه. وقوله تعالى: ﴿ معرضون ﴾ [الأنبياء: 1] تدل على الافتعال أي: أنهم مفتعلون هذا الإعراض؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ما يأتيهم من ذكر... ﴾.

21.2

أي: ذكر من القرآن ﴿ محدث.. ﴾ [الأنبياء: 2] يعني: يسمعونه جديدا لأول مرة ﴿ إلا استمعوه وهم يلعبون ﴾ [الأنبياء: 2] لا يعطونه اهتماما، ولا يلقون له بالا، وهم يتعمدون هذا، ويوصي بعضهم بعضا به ويحرضون عليه، كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى حكاية عنهم:

وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون

[فصلت: 26]. إنهم يخافون إن سمعوا القرآن أن يتأثروا به فيؤمنوا لذلك لا تسمعوه، بل شوشوا عليه حتى لا يسمعه أحد في هدوء واطمئنان فيؤمن به. وهذا يعني أن هذا العمل في مصلحتهم لأنهم لا يستطيعون رد حجج القرآن ولا الثبات أمام إعجازيته ولا بلاغته ولا تأثيره على النفوس، فهم لا يملكون إلا أن يصرفوا الناس عن سماعه، والتشويش عليه، حتى لا يتمكن من الأسماع، وينفذ إلى القلوب، فيخالطها الإيمان. واللعب: أن تشغل نفسك بعمل لا قصد فيه لغاية، كما يأخذ الطفل الصغير كراسة أخيه، ويعبث فيها بالقلم دون نظام ودون هدف. وهناك أيضا اللهو: وهو عمل مقصود لغاية، لكن هذه الغاية تضعها أنت لنفسك، أو يضعها غيرك ممن يريد أن يفسدك بها، إذن: هو عمل مقصود وله غاية، ليس مجرد شخبطة كمن ينشغل مثلا برسم بعض الصور للتسلية، أو ينشغل بحل الكلمات المتقاطعة، فهي أعمال لا فائدة منها. أما العمل النافع الذي ينبغي أن ينشغل الإنسان به فهو الذي يضعه لك من هو أعلى منك، وأن يكون حكيما محبا لك، وهذه المواصفات لا تجدها إلا في الإله، لذلك كل ما يلهيك عما يضعه لك إلهك فهو لهو لأنه شغلك عما هو أهم. لذلك يقول تعالى:

إنما الحياة الدنيا لعب ولهو..

[محمد: 36]. فاللعب في مرحلة الطفولة، بل نأتي نحن باللعب ونقول للطفل: العب، إنما اللهو أن تنشغل بعمل مقصود وله غاية، لكنها تلهيك عن غاية أسمى هي التي وضعها لك الحكيم القادر الأعلى منك المحب لك. إذن: منتهي اللهو واللعب أن يلعبوا عند سماع القرآن، فلم يستمعوا له، حتى على أنه لهو له غاية، إنما على أنه لعب لا غاية له ولا فائدة منه لأن غايته ضارة. واللعب وإن كان مباحا في فترة ما قبل البلوغ، إنما القلوب يجب أن تربى على أن تلتفت إلى الله عز وجل الخالق الرازق في هذه الفترة المبكرة من حياة الإنسان، وهذه مهمة الأب، فإن أتى لولده بطعام أو شراب يقول أمام الولد الصغير: ربنا رزقنا به. وهكذا في كل أمور الحياة يسند الأمر إلى الله وينبه الولد الصغير: قل: بسم الله قل: الحمد لله. وهكذا تربى في الولد مواجيده على اليقين بالله القوي، وإن كان الولد لا يراه فإنه يرى آثاره ونعمه.

ويرى أباه الذي يتعهده، ويأتي له بكل شيء لا يتصيد المجد لنفسه، إنما ينسب كل شيء إلى الله. فأبوه - وهو المثل الأعلى له - يزحزح هذه المسائل عنه وينسبها لله، فيتربى وجدان الولد على الإيمان. فإذا لم يرب الولد هذه التربية تسلل إلى نفسه اللهو واللعب. وسبق أن قلنا: إن كل فعل من الأفعال لا بد أن ينشأ عن موجدة من المواجيد، ولا ينشأ الفعل دون موجدة إلا فعل المجنون، والقلوب هي التي توجه الجوارح، ولو لم تكن القلوب لاهية ما لعبت الجوارح. لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - حينما دخل على رجل يعبث بذقنه هو يصلي - كما يفعل الكثيرون - قال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. فحركة الجوارح دليل على انشغال القلب؟ لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿ لاهية قلوبهم وأسروا النجوى... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦٣٤