تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21.95

﴿ حرام.. ﴾ [الأنبياء: 95] يعني: ممتنع: لا يجب أن يكون، والقرية: أي قرية أهلكناها لأنها كذبت الرسل، ووقفت منهم موقف اللدد والعناد والمعارضة، فأهلكها الله بذنوبها في الدنيا، أيعقل بعد هذا أن نتركها في الآخرة من غير أن نأخذها بذنوبها؟ لا بد - إذن - أن ترجع إلينا في الآخرة لنحاسبها الحساب الدائم الخالد، فلا نكتفي بحساب الدنيا المنتهي. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج... ﴾.

21.96

وردت قصة يأجوج ومأجوج في آخر سورة الكهف، حينما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل الجوال الذي طاف الأرض، فنزلت:

ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا

[الكهف: 83]. وقد تكلم العلماء في ذي القرنين، منهم من قال: هو قورش ومنهم من قال هو: الإسكندر الأكبر. والقرآن لا يعنيه الشخص وإلا لذكره باسمه، فالقرآن لا يؤرخ له، ولا يقيم له تمثالا، إنما يريد التركيز على الأوصاف التي تعني الحق وتعني الخلق. فيكفي أن نعلم أنه إنسان مكنه الله في الأرض. يعني: أعطاه من أسباب القوة وأسباب المهابة والسيطرة، وأعطاه من كل مقومات القوة: أعطاه المال والعلم والجيوش، فلم يكتف بذلك كله، بل

فأتبع سببا

[الكهف: 85] يعني: أخذ بالأسباب التي تؤدي إلى الخير. وسبق أن تحدثنا عن تشخيص البطل في قصص القرآن لأن القرآن لا يؤرخ للشخصية، ولا يعطى لها خصوصية، وإنما يريدها عامة لتكون مثلا يحتذى، ويتم بها الاعتبار، وتحدث الأثر المراد من القصة. فما يعنينا في قصة ذي القرنين أنه رجل مكن في الأرض، وكان من صفاته كذا وكذا، وما يعنينا من أهل الكهف أنهم فتية آمنوا بربهم وتمسكوا بدينهم وعقيدتهم وضحوا في سبيلها، لا يهمنا الأشخاص ولا الزمان ولا المكان ولا العدد. لذلك أبهم القرآن كل هذه المسائل، فأي فتية، في أي زمان، وفي أي مكان، وبأي أسماء يمكن أن يقفوا هذا الموقف الإيماني، ولو شخصناهم وعيناهم لقال الناس: إنها حادثة خاصة بهؤلاء، أو أنهم نماذج لا تتكرر لذلك أبهمهم القرآن ليكونوا عبرة وأسوة تسير في الزمان كله. كذلك، لما أراد القرآن أن يضرب مثلا للذين كفروا ذكر امرأة نوح وامرأة لوط ولم يعينهما، وكذلك ضرب مثلا للذين آمنوا بامرأة فرعون ولم يذكر من هي، فالغرض من ضرب هذه الأمثال ليس الأشخاص، إنما لنعلم أن للمرأة حرية العقيدة واستقلالية الرأي، فليست هي تابعة لأحد، بدليل أن نوحا ولوطا لم يتمكن كل منهما من هداية امرأته. وفرعون الكافر الذى ادعى الألوهية، لم يستطع أن يمنع زوجته من الإيمان، وهي التي قالت:

رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين

[التحريم: 11]. إذن: ما يعنينا في قصة " ذي القرنين " أن الله مكن له في الأرض وأعطاه كل أسباب القوة والسيطرة لذلك ائتمنه أن يكون ميزانا للخير وللحق، وفوضه أن يقضي في الخلق بما يراه من الحق والعدل.

حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا

[الكهف: 86]. لأننا مكناه وفوضناه، فاستعمل التمكين في موضعه، وأخذ الأمانة بحقها، فقال:

أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا

[الكهف: 87] أي: نعذبه على قدر مقدرتنا، ثم يرد إلى ربه فيعذبه على قدر قدرته تعالى.

وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا

[الكهف: 88]. وهكذا يكون دستور الحياة من الحاكم الممكن في الخلق، دستور الثواب والعقاب الذي تستقيم به أمور البلاد والعباد، فحين يرى تقصيرا لا بد أن يأخذ على يد صاحبه مهما تكن منزلته، لا يخافه ولا ينافقه ولا يخشى في الله لومة لائم، وإن رأى المحسن المجتهد يثيبه ويكافئه. وهذا القانون نراه في مجتمعنا يكاد يكون معطلا بين العاملين، فاختلط الحابل بالنابل، وتدهورت الأمور، ودخلت بيننا مقاييس أخرى للثواب وللعقاب ما أنزل الله بها من سلطان، فانقلبت الموازين، حيث تبجح الكسالى، وأحبط المجدون المحسنون.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٠٧