21.86
والرحمة هنا بمعنى النبوة، وهي أمر عظيم وعطاء كبير، فإن تحملوا في سبيله بعض المتاعب، فلا غضاضة في ذلك.
21.87
" ذو النون ": هو سيدنا يونس بن متى صاحب الحوت، والنون من أسماء الحوت، وجمعه نينان كحوت وحيتان لذلك سمي به، وقد أرسل يونس عليه السلام إلى أهلنينوى من أرض الموصل بالعراق. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعداس:
" أنت من بلد النبي الصالح: يونس ابن متى ".
والنون أيضا اسم لحرف من حروف المعجم، لكن قد يوافق اسم الحرف اسما لشيء آخر، كما في ق وهو اسم جبل، وكذلك السين، فهناك نهر اسمه نهر السين، وهكذا تصادف أسماء الحروف أسماء أشياء. وقوله تعالى: ﴿ إذ ذهب مغاضبا.. ﴾ [الأنبياء: 87] مادة غضب نأخذ منها الوصف للمفرد. نقول: غاضب وغضبان، أما مغاضب فتعطي معنى آخر لأنها تدل على المفاعلة، فلا بد أن أمامك شخصا آخر، أنت غاضب وهو غاضب، مثل: شارك فلان فلانا. لكن في أصول اللغة رجحنا جانب الفاعلية في أحدهما، والمفعولية في الآخر، كما نقول: شارك زيد عمرا، فالمشاركة حدثت منهما معا، لكن جانب الفاعلية أزيد من ناحية زيد، فكل واحد منهما فاعل مرة ومفعول أخرى. واللغة أحيانا تلحظ هذه المشاركة فتحمل اللفظ المعنيين معا: الفاعل والمفعول، كما جاء في قول الشاعر العربي الذي يصف السير في أرض معقربة، والتي إذا سرت فيها دون أن تتعرض للعقارب فإنها تسالمك ولا تؤذيك، فيقول:
قد سالم الحيات منه القدما
الأفعوان والشجاع القشعما
أي: أنه سالم الحيات، فالحيات سالمته، فالمسالمة منهما معا، لكن غلب جانب الحيات فجاءت فاعلا لأن إيذاءها أقوى من إيذائه، فلما أبدل من الحيات الأفعوان والشجاع القشعما وهما من أسماء الحيات كان عليه أن يأتي بالبدل مرفوعا تابعا للمبدل منه، إلا أنه نصبه فقال: الأفعوان والشجاع القشعما لأنه لاحظ في جانب الحيات أنها أيضا مفعول. فمم غضب ذو النون؟ غضب لأن قومه كذبوه، فتوعدهم إن لم يتوبوا أن ينزل بهم العذاب، وأتى الموعد ولم ينزل بهم ما توعدهم به، فخاف أن يكذبوه، وأن يتجرأوا عليه، فخرج من بينهم مغاضبا إلى مكان آخر، وهو لا يعلم أنهم تابوا فأخر الله عذابهم، وأجل عقوبتهم. وفي آية أخرى يوضح الحق سبحانه هذا الموقف:
فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين
[يونس: 98]. أي: لم يحدث قبل ذلك أن آمنت قرية ونفعها إيمانها إلا قرية واحدة هي قوم يونس، فقد آمنوا وتابوا فأجل الله عذابهم. إذن: خرج يونس مغاضبا لا غاضبا لأن قومه شاركوه، وكانوا سبب غضبه، كما حدث في مسألة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فرسول الله هاجر من مكة لكنه لم يهجرها، فسميت هجرة لأن أهل مكة هجروا رسول الله أولا، وهجروا دعوته وألجئوه أيضا إلى الهجرة وترك مكة، فهم طرف في الهجرة وسبب لها.
لذلك قال صلى الله عليه وسلم مخاطبا مكة:
" والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ".
وقد أخذ المتنبي هذا المعنى، وعبر عنه بقوله:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا
ألا تفارقهم فالراحلون هم
وقوله تعالى: ﴿ فظن أن لن نقدر عليه.. ﴾ [الأنبياء: 87] البعض ينظر في الآية نظرة سطحية، فيقولون: كيف يظن يونس أن الله لن يقدر عليه؟ وهذا الفهم ناشىء عن جهل باستعمالات اللغة، فليس المعنى هنا من القدرة على الشيء والسيطرة، ولو استوعبت هذه المادة في القرآن قدر لوجدت لها معنى آخر، كما في قوله تعالى:
لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله..
[الطلاق: 7] معنى قدر عليه رزقه يعني: ضيق عليه. ومنها قوله تعالى:
إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر..
[الإسراء: 30]. وقوله سبحانه تعالى: