تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21.101

بعد أن ذكر سبحانه جزاء الكافرين في النار ذكر المقابل، وذكر المقابل يوضح المعنى، اقرأ قوله تعالى:

إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم

[الانفطار: 13 - 14]. ويقول:

فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا..

[التوبة: 82] لذلك تظل المقارنة حية في الذهن. ومعنى: ﴿ سبقت لهم منا الحسنى.. ﴾ [الأنبياء: 101] الحسنى: مؤنث الأحسن، تقول: هذا حسن، وهذه حسنة، فإن أردت المبالغة تقول: هذا أحسن، وهذه حسنى. مثل: أكبر وكبرى. ومعنى: ﴿ سبقت لهم منا الحسنى.. ﴾ [الأنبياء: 101] أنهم من أهل الطاعة، ومن أهل الجنة، فهكذا حكم الله لهم، وقد أخذ الله تعالى جزءا من خلقه وقال: " هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي ". ولا تقل: ما ذنب هؤلاء؟ لأنه سبحانه حكم بسابق علمه بطاعة هؤلاء، ومعصية هؤلاء. وقوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ [الأنبياء: 101] أي: مبعدون عن النار. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت... ﴾.

21.102

حسيس النار: أزيزها، وما ينبعث منها من أصوات أول ما تشتعل ﴿ وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ﴾ [الأنبياء: 102] فلم يقل مثلا: وهم بما اشتهت أنفسهم، إنما ﴿ في ما اشتهت أنفسهم.. ﴾ [الأنبياء: 102] كأنهم غارقون في النعيم مما اشتهت أنفسهم، كأن شهوات أنفسهم ظرف يحتويهم ويشملهم. وهذا يشوق أهل الخير والصلاح للجنة ونعيمها، حتى نعمل لها، ونعد العدة لهذا النعيم. وسبق أن قلنا: إن الإنسان يتعب في أول حياته، ويتعلم صنعة، أو يأخذ شهادة لينتفع بها فيما بعد ويرتاح في مستقبل حياته، وعلى قدر تعبك ومجهودك تكون راحتك، فكل ثمرة لا بد لها من حرث ومجهود، والله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملا. وكنا نرى بعض الفلاحين يقضي يومه في حقله، مهمل الثياب، رث الهيئة، لا يشغله إلا العمل في زرعه، وآخر تراه مهندما نظيفا يجلس على المقهى سعيدا بهذه الراحة، وربما يتندر على صاحبه الذي يشقى نفسه في العمل، حتى إذا ما جاء وقت الحصاد وجد العامل ثمرة تعبه، ولم يجد الكسول غير الحسرة والندم. إذن: ربك - عز وجل - أعطاك الطاقة والجوارح، ويريد منك الحركة، وفي الحركة بركة، فلو أن الفلاح جلس يقلب في أرضه ويثير تربتها دون أن يزرعها لعوضه الله وأثمر تعبه، ولو أن يجد شيئا في الأرض ينتفع به مثل خاتم ذهب أو غيره. وترف الإنسان وراحته بحسب تعبه في بداية حياته، فالذي يتعب ويعرق مثلا عشر سنين يرتاح طوال عمره، فإن تعب عشرين سنة يرتاح ويرتاح أولاده من بعده، وإن تعب ثلاثين سنة يرتاح أحفاده وهكذا. وترف المتعلم يكون بحسب شهادته: فهذا شهادة متوسطة، وهذا عليا، وهذا أخذ الدكتوراة، ليكون له مركز ومكانة في مجتمعه. لكن مهما أعد الإنسان لنفسه من نعيم الحياة وترفها فإنه نعيم بقدر إمكانياته وطاقاته لذلك ذكرنا أننا حين سافرنا إلى سان فرانسيسكو رأينا أحد الفنادق الفخمة وقالوا: إن الملك فيصل - رحمه الله - كان ينزل فيه، فأردنا أن نتجول فيه، وفعلا أخذنا بما فيه من مظاهر الترف والأبهة وروعة الهندسة، وكان معي ناس من علية القوم فقلت لهم: هذا ما أعده العباد للعباد، فما بالكم بما أعده رب العباد للعباد؟ فإذا ما رأيت أهل النعيم والترف في الدنيا فلا تحقد عليهم لأن نعيمهم يذكرك ويشوقك لنعيم الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧١٣