21.14
لما أحس المكذبون بأس الله وعذابه حاولوا الهرب ليفوتوا العذاب، فقال لهم: ارجعوا إلى ما كنتم فيه، فلن ينجيكم من عذاب الله شيء، ولا يفوت عذاب الله فائت، فلما وجدوا أنفسهم في هذا الموقف لم يجدوا شيئا إلا الحسرة فتوجهوا إلى أنفسهم ليقرعوها، ويحكموا عليها بأنها تستحق ما نزل بها. فقولهم: ﴿ يويلنآ.. ﴾ [الأنبياء: 14] ينادون على العذاب، كما تقول يا بؤسي أو يا شقائي وهل أحد ينادي على العذاب أو البؤس أو الشقاء؟ الإنسان لا ينادي إلا على ما يفرح. فالمعنى: يا ويلتي تعالى، فهذا أوانك، فلن يشفيه من الماضي إلا أن يتحسر عليه، ويندم على ما كان منه. فالآن يتحسرون، الآن يعلمون أنهم يستحقون العذاب ويلومون أنفسهم. ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ [الأنبياء: 14] ظالمين لأنفسنا بظلمنا لربنا في أننا كفرنا به، كما قال في آية أخرى:
أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله..
[الزمر: 56].
21.15
قوله تعالى: ﴿ فما زالت تلك دعواهم.. ﴾ [الأنبياء: 15] أي: قولهم:
قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين
[الأنبياء: 14] فلم يقولوها مرة واحدة سرقة عواطف مثلا، إنما كانت ديدنهم، وأخذوها تسبيحا: يا ويلنا إنا كنا ظالمين، يا ويلنا إنا كنا ظالمين، فلا شيء يشفي صدورهم إلا هذه الكلمة يرددونها. كما يجلس المجرم يعزي نفسه نادما يقول: أنا مخطىء، أنا أستحق السجن، أنا كذا وكذا. وقوله تعالى: ﴿ حتى جعلناهم حصيدا خامدين ﴾ [الأنبياء: 15] الحصيد: أي المحصود وهو الزرع بعد جمعه ﴿ خامدين ﴾ [الأنبياء: 15] الخمود من أوصاف النار بعد أن كانت متأججة مشتعلة ملتهبة صارت خامدة، ثم تصير ترابا وتذهب حرارتها. كأن الحق - سبحانه وتعالى - يشير إلى حرارتهم في عداء الرسول وجدلهم وعنادهم معه صلى الله عليه وسلم، وقد خمدت هذه النار وصارت ترابا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وما خلقنا السمآء... ﴾.