21.30
قوله تعالى: ﴿ أولم ير الذين كفروا.. ﴾ [الأنبياء: 30] يعني: أعميت أبصارهم، فلم ينظروا إلى هذا الكون البديع الصنع المحكم الهندسة والنظام، فيكفروا بسبب أنهم عموا عن رؤية آيات الله. وهكذا كما رأيت الهمزة بعد الواو والفعل المنفي. لكن كيف يقول الحق سبحانه: ﴿ أولم ير الذين كفروا.. ﴾ [الأنبياء: 30] والحديث هنا عن السماء والأرض، وقد قال تعالى:
مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا
[الكهف: 51]؟ فهذه مسألة لم يشهدها أحد، ولم يخبرهم أحد بها، فكيف يرونها؟ سبق أن تكلمنا عن الرؤية في القرآن، وأن لها استعمالات مختلفة: فتارة تأتي بمعنى: نظر أي: بصرية. وتأتي بمعنى: علم، ففي قوله تعالى:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
[الفيل: 1]. والنبي صلى الله عليه وسلم لم ير هذه الحادثة ولم يشهدها لأنه ولد في نفس عامها، فالمعنى: ألم تعلم، فلماذا عدل السياق عن الرؤية البصرية إلى الرؤية العلمية، مع أن رؤية العين هي آكد الرؤى، حتى أنهم يقولون: ليس مع العين أين؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أن ينبه رسوله صلى الله عليه وسلم: أنت صحيح لم ترها بعينيك، لكن ربك أخبرك بها، وإخبار الله أصدق من رؤية عينيك، فإذا أخبرك الله بشيء فإخبار الله أصدق من رؤية العين، فالعين يمكن أن تخدعك، أو ترى بها دون أن تتأمل. أما إخبار الله لك فصادق لا خداع فيه. ومن ذلك أيضا قوله تعالى:
ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا
[مريم: 83]. لكن، كيف تمت الرؤية العلمية لهم في مسألة خلق السماوات والأرض؟ قالوا: لأن الإنسان حين يرى هذا الكون البديع كان يجب عليه ولو بغريزة الفضول أن يتساءل: من أين جاء هذا الكون العجيب؟ والإنسان بطبعه يلتفت إلى الشيء العجيب، ويسأل عنه، وهو لا يعنيه ولا ينتفع به، فما بالك إن كان شيئا نافعا له؟ إذن: كان عليهم أن ينظروا: من الذي نبأ رسول الله بهذه المسألة؟ خاصة وقد كانوا يسألون عنها، وقد جاءهم رسول الله بمعجزة تثبت صدقه في البلاغ عن الله، وتخبرهم بما كانوا يبحثون عنه، وما دام الكلام من الله فهو صدق:
ومن أصدق من الله قيلا
[النساء: 122]. وقد نزل القرآن وفي جزيرة العرب كفار عباد أصنام، وفيها اليهود وبعض النصارى، وهما أهل الكتاب يؤمنون بإله وبرسل وبكتب، حتى إنهم كانوا يجادلون الكفار الوثنيين يقولون لهم: لقد أطل زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. ومع ذلك، لما جاءهم ما عرفوا من الحق كفروا به، والتحموا بالكفار، وكونوا معهم جبهة واحدة، وحزبا واحدا، ما جمعهم إلا كراهية النبي، وما جاء به من الدين الحق، وما أشبه هذا بما يفعله الآن كل من المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي من اتحاد ضد الإسلام.
إذن: بعد أن جاء الإسلام أصبح أهل الكتاب والكفار ضد الإسلام في خندق واحد، وكان الكفار يسمعون من أهل الكتاب، وفي التوراة كلام عن خلق السماء والأرض يقول: إن الله أول ما خلق الخلق خلق جوهرة، ثم نظر إليها نظر الهيبة فحصل فيها تفاعل وبخار ودخان، فالدخان صعد إلى أعلى فكون السماء، والبقية ظلت فكونت الأرض. وهكذا كان لديهم طرف من العلم عن مسألة الخلق لذلك قال الله عنهم: ﴿ أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما.. ﴾ [الأنبياء: 30]. وقد كان للمستشرقين كلام حول قوله تعالى: ﴿ كانتا رتقا.. ﴾ [الأنبياء: 30] قالوا: السماوات جمع، والأرض كذلك جنس لها جمع، فالقاعدة تقتضي أن نقول: كن رتقا بضمير الجمع. وصاحب هذا الاعتراض لم يدر أن الله سبحانه وتعالى نظر إلى السماء كنوع والأرض كنوع، فالمراد هنا السماوية والأرضية وهما مثنى. وفي القرآن نظائر كثيرة لهذه المسألة لأن القرآن جاء بالأسلوب العربي المبني على الفطنة والذكاء ومرونة الفهم. فخذ مثلا قوله تعالى: