تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21.50

أي: كما جاءت التوراة ﴿ ذكرا.. ﴾ [الأنبياء: 48] كذلك القرآن الذي نزل عليك يا محمد ذكر، لكنه ﴿ ذكر مبارك.. ﴾ [الأنبياء: 50] يقولون: هذا شيء مبارك يعني: فيه البركة، والبركة في الشيء أن يعطي من الخير فوق ما يتوقع فيه. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسقي صحابته من قعب واحد من اللبن، ويطعم الجيش كله من الطعام اليسير القليل. وتسمعهم يقولون: فلان راتبة ضئيل، ومع ذلك يعيش هو وأولاده في كذا وكذا فنقول: لأن الله يبارك له في هذا القليل. فمعنى ﴿ ذكر مبارك.. ﴾ [الأنبياء: 50] أي: فيه من الخير فوق ما تظنون، فإياك أن تقولوا: إنه كتاب أحكام وتكاليف فحسب، فالقرآن فيه صفة الخلود، وفيه من الأسرار ما لا ينتهي، فبركته تشمل جميع النواحي وجميع المجالات إلى أن تقوم الساعة. فمهما رددنا آياته نجدها جميلة موحية معبرة. فكل عصر يأتي بجديد، لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه فهو مبارك لأن ما فيه من الخير يتجاوز عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وكل العصور والأعمار والقرون فيعطي كل يوم سرا جديدا من أسرار قائله سبحانه. إذن: فالقرآن ﴿ ذكر مبارك.. ﴾ [الأنبياء: 50] لأن ما فيه من وجوه الخير سيتجاوز العصر الذي نزل فيه، ويتجاوز كل الأعمار وكل القرون، فيعطي كل يوم لونا جديدا من أسرار قائله والمتكلم به لذلك يتعجب بعدها من إنكار القوم له: ﴿ أفأنتم له منكرون ﴾ [الأنبياء: 50] أمثل هذا الكلام ينكر؟ وسبق أن أوضحنا أقوالهم في القرآن. منهم من قال: سحر. ومنهم من قال: شعر. ومنهم من قال كذب وأساطير الأولين، وهذا كله إفلاس في الحجة، وتصيد لا معنى له، ودليل على تضارب أفكارهم. ألم يقولوا هم أنفسهم:

لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31] إذن: هم يعرفون صدق القرآن ومكانته، وأنه من عند الله، ولا يعترضون عليه في شيء، إنما اعتراضهم على من جاء بالقرآن، وفي هذا دليل على أنهم ليست عندهم يقظة في تغفيلهم. وتأمل: ﴿ وهذا ذكر مبارك.. ﴾ [الأنبياء: 50] ولم يقل: هذا القرآن، كأنه لا يشار إلا إلى القرآن.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦٧٢