تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما..

[الحجرات: 9]. فلم يقل حسب الظاهر: اقتتلتا لأن الطائفة وإن كانت مفردا إلا أنها تحوي جماعة، والقتال لا يكون بين طائفة وطائفة، إنما بين أفراد هذه وأفراد هذه، فالقتال ملحوظ فيه الجمع

اقتتلوا..

[الحجرات: 9] فإذا ما جئنا للصلح نرى أن الصلح لا يتم بين هؤلاء الأفراد، وإنما بين ممثل عن كل طائفة، فالصلح قائم بين طرفين لذلك يعود السياق للتثنية.

فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل..

[الحجرات: 9]. والرتق: الشيء الملتحم الملتصق، ومعنى ﴿ ففتقناهما.. ﴾ [الأنبياء: 30] أي: فصلناهما وأزحنا هذا الالتحام، وما ذكر في التوراة من أن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إليها في هيبة، فحصل لها كذا وكذا في القرآن له ما يؤيده في قوله تعالى:

ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها..

[فصلت: 11]. والعلماء ساعة يستقبلون الآية الكونية لهم فيها مذاهب اجتهادية مختلفة لأنها تتعرض لحقيقة الكون، وهذا أمر قابل للخلاف، فكل واحد منهم يأخذ منه على قدر ثقافته وعلمه. فالعربي القديم لم يكن يعرف كثيرا عن الظواهر الكونية، لا يعرف الجاذبية، ولا يعرف كروية الأرض ولا حركتها، فلو أن القرآن تعرض لمثل هذه الأمور التي لا يتسع لها مداركه وثقافته فلربما صرفه هذا الكلام الذي لا يفهمه، ولك أن تتصور لو قلت له مثلا: إن الأرض كرة تدور بنا بما عليها من بحار وجبال الخ. والقرآن بالدرجة الأولى كتاب منهج " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " لذلك كل ما يتعلق بهذا المنهج جاء واضحا لا غموض فيه، أما الأمور الكونية التي تخضع لثقافات البشر وارتقاءاتهم الحضارية فقد جاءت مجملة تنتظر العقول المفكرة التي تكشف عن هذه الظواهر واحدة بعد الأخرى، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا مجرد إشارة، وعلى العقول المتأملة أن تكمل هذه المنظومة.

وقد كان لعلماء الإسلام موقفان في هذه المسألة، كلاهما ينطلق من الحب لدين الله، والغرام بكتابه، والرغبة الصادقة في إثبات صدق ما جاء به القرآن من آيات كونية جاء العلم الحديث ليقول بها الآن، وقد نزل بها القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان. الموقف الأول: وكان أصحابه مولعين بأن يجدوا لكل اكتشاف جديدا شاهدا من القرآن ليقولوا: إن القرآن سبق إليه وأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق في بلاغه عن الله. الموقف الثاني: أما أصحاب الموقف الآخر فكانوا يتهيبون من هذه المسألة خشية أن يقولوا بنظرية لم تثبت بعد، ويلتمسون لها شاهدا من كتاب الله، ثم يثبت بطلانها بعد أن ربطوها بالقرآن. والموقف الحق أن هناك فرقا بين نظرية علمية، وحقيقة علمية، فالنظرية مسألة محل بحث ومحل دراسة لم تثبت بعد لذلك يقولون: هذا كلام نظري أي: يحتاج إلى ما يؤيده من الواقع، أما الحقيقة العلمية فمسألة وقعت تحت التجربة، وثبت صدقها عمليا ووثقنا أنها لا تتغير. فعلينا - إذن - ألا نربط القرآن بالنظرية التي تحتمل الصدق أو الكذب، حتى لا يتذبذب الناس في فهم القرآن، ويتهمونا أننا نفسر القرآن حسب أهوائنا. أما الحقيقة العلمية الثابتة فإذا جاءت بحيث لا تدفع فلا مانع من ربطها بالقرآن. من ذلك مسألة كروية الأرض، فعندما قال بها العلماء اعترض كثيرون وأثاروها ضجة وألفوا فيها كتبا، ومنهم من حكم بكفر من يقول بذلك لأن هذه المسألة لم ينص عليها القرآن. فلما تقدم العلم، وتوفرت له الأدلة الكافية لإثبات هذه النظرية، فوجدوا الكواكب الأخرى مدورة كالشمس والقمر، فلماذا لا تكون الأرض كذلك؟! كذلك إذا وقفت مثلا على شاطئ البحر، ونظرت إلى مركب قادم من بعيد لا ترى منها إلا طرف شراعها، ولا ترى باقي المركب إلا إذا اقتربت منك، علام يدل ذلك؟ هذا يدل على أن سطح الأرض ليس مستويا، إنما فيه تقوس وانحناء يدل على كرويتها. فلما جاء عصر الفضاء، وصعد العلماء للفضاء الخارجي، وجاءوا للأرض بصور، فإذا بها كروية فعلا، وهكذا تحولت النظرية إلى حقيقة علمية لا تدفع، ولا جدال حولها، ومن خالفها حينما كانت نظرية لا يسعه الآن إلا قبولها والقول بها. وما قلناه عن كروية الأرض نقوله عن دورانها، ومن كان يصدق قديما أن الأرض هي التي تدور حول الشمس بما عليها من مياه ومبان وغيره؟ ولك أن تأخذ كوزا ممتلئا بالماء، واربطه بخيط من أعلى، ثم أدره بسرعة من أسفل إلى أعلى، تلاحظ أن فوهة الكوز إلى أسفل دون أن ينسكب الماء، لماذا؟ لأن سرعة الدوران تفوق جاذبية الأرض التي تجذب الماء إليها، بدليل أنك إذا تهاونت في دوران الكوز يقع الماء من فوهته، ولا بد من وجود تأثير للجاذبية، فجاذبية الأرض هي التي تحتفظ بالماء عليها أثناء دورانها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦٥١