21.51
نلاحظ أن الحق سبحانه بدأ تسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم بذكر طرف من قصة موسى، ثم ثنى بقصة إبراهيم، مع أن إبراهيم عليه السلام سابق لموسى، فلماذا؟ قالوا: لأن موسى له صلة مباشرة باليهود وقريب منهم، وكان اليهود معه أهل جدل وعناد. ومعنى ﴿ رشده.. ﴾ [الأنبياء: 51] الرشد: اهتداء العقل إلى الأكمل في الصلاح والأعلى في الخير، بحيث لا يأتي بعد الصلاح فساد، ولا بعد الخير شر، ولا يسلمك بعد العلو إلى الهبوط، هذا هو الرشد. أما أن يجرك الصلاح الظاهر إلى فساد، أو يسلمك الخير إلى شر، فليس في ذلك رشد. والآن نسمعهم يتحدثون عن الفنون الجميلة، ويستميلون الناس بشعارات براقة أعجبت الناس حتى وصلت بهم الجرأة إلى أن قالوا عن الرقص: فن راق وفن جميل.. سبحان الله، الرقص كما قلتم لو أنه فعلا راق وجميل، وظل كذلك إلى آخر الطريق، ولم ينحدر إلى شيء قبيح وهابط، ماذا يحدث حين يجلس الرجل أمام راقصة تبدي من مفاتنها وحركاتها ما لا تحسنه زوجته في البيت؟ كم بيوت خربت وأسر تهدمت بسبب راقصة، فأي رقي؟ وأي جمال في هذا الفن؟! لذلك فالإمام علي - كرم الله وجهه - لخص هذه المسألة فقال: " لا شر في شر بعده الجنة، ولا خير في خير بعده النار ". إذن: على الإنسان أن ينتبه إلى الرشد الذي هو اهتداء العقل إلى الصالح الأعلى أو إلى الكمال الأعلى أو الخير الأعلى. وهذا الرشد له اتجاهان: رشد البنية، ورشد المعنى. رشد البنية وهو اكتمال تكوين الإنسان بحيث يؤدي كل جهاز فيه وظيفته، وهذا لا يكون إلا بعد سن البلوغ، وقد جعل الخالق سبحانه استواء الأعضاء التناسلية دليلا على اكتمال هذا الرشد حين يصير المرء قادرا على إنجاب مثله. وهذا واضح في الثمار حيث لا يحلو مذاقها إلا بعد نضجها واكتمال بذرتها لتكون صالحة للإنبات إذا زرعتها، وهذا من حكمة الخالق - سبحانه وتعالى - فنأكل الثمرة ونستبقي نوعها ببذرتها الصالحة، أما لو استوت الثمرة للأكل قبل نضج بذرتها لأكلنا الثمار الموجودة ولم نستبق نوعها فتنقرض. لذلك، من حكمة الله أيضا أن الثمرة إذا استوت ونضجت ولم تجد من يقطفها تسقط من تلقاء نفسها، وتجدد دورتها في الحياة. ولأمر ما جعل الله التكليف بعد البلوغ، فلو كلفك قبل البلوغ لوجدت في التكاليف نهيا عن بعض الأمور التي لا تعرفها ولا تدركها، وقد تعترض على ربك: كيف أفعل يا رب وقد جاءتني هذه الغريزة ففعلت بي كذا وكذا. ولكل آلة وجهاز في جسم الإنسان رشد يناسبه، ونمو يناسب تكوينه، فمثلا عين الطفل وفمه وأصابع يده كلها تنمو نموا مناسبا لتكوين الطفل.
أما الأسنان ففيها حكمة بالغة من الخالق عز وجل، فقد جعل للطفل في المرحلة التي لا يستطيع فيها تنظيف أسنانه بنفسه، ولا حتى يستطيع غيره تنظيفها جعل له طقما احتياطيا من الأسنان، يصاحبه في صغره تسمى الأسنان اللبنية، حتى إذا ما شب وكبر واستطاع أن ينظف أسنانه بنفسه أبدله الله طقما آخر يصاحبه طوال عمره. وهناك رشد أعلى، رشد فكري معنوي، رشد يستوي فيه العقل والتفكير ويكتمل الذهن الذي يختار ويفاضل بين البدائل، فقد يكتمل للمرء رشده البنياني الجسماني دون أن يكتمل عقله وفكره، وفي هذه الحالة لا نمكنه من التصرف حتى نختبره، لنعلم مدى إحسانه للتصرف فيما يملك، فإن نجح في الاختبار فلنعطه المال الذي له، يتصرف فيه كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى:
وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم..
[النساء: 6] أي: لا تنتظر حتى يكبر، ثم تعطيه ماله، يفعل فيه ما يشاء دون خبرة ودون تجربة، إنما تختبره وتشركه في خضم الحياة ومعتركها، فيشب متمرسا قادرا على التصرف السليم. وفي آية أخرى قال تعالى: