21.17
فلو أردنا اللهو لفعلناه، فنحن نقدر على كل شيء، وقوله: ﴿ إن كنا فاعلين.. ﴾ [الأنبياء: 17] تدل على أن ذلك لن يحدث. فمعنى اللهو هو أن تنصرف إلى عمل لا هدف له ولا فائدة منه، فالإنسان اللاهي يترك الأمر المهم ويذهب إلى الأمر غير المهم، فاللهو واللعب حركتان من حركات الجوارح، ولكنها حركات لا مقصد لها إلا الحركة في ذاتها، فليس لها هدف كمالي نسعي له في الحركة، ولذلك فاللهو واللعب دون هدف يسمى عبثا. وهذا يمتنع في حق الله سبحانه وتعالى: ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل... ﴾.
21.18
ما دام أنهم فعلوا اللهو واللعب، وخانوا نعم الله في السماء والأرض فليعلموا أن هذا الحال لن يستمر، فالحق سبحانه يملي للباطل ويوسع له حتى يزحف ويمتد، حتى إذا أخذه أخذ عزيز مقتدر، وقذف عليه بالحق. فقوله: ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل.. ﴾ [الأنبياء: 18] القذف: الرمي بشدة مثل القذائف المدمرة ﴿ فيدمغه.. ﴾ [الأنبياء: 18] يقال: دمغه أي: أصاب دماغه. والدماغ أشرف أعضاء الإنسان ففيه المخ، وهو ميزان المرء، فإن كان المخ سليما أمكن إصلاح أي عطل آخر، أما إن تعطل المخ فلا أمل في النجاة بعده. لذلك جعل الحق - سبحانه وتعالى - عظمة الدماغ أغوى عظام الجسم لتحفظ هذا العضو الهام، والأطباء لا يحكمون على شخص بالموت - مثلا - إذا توقف القلب لأن القلب يجري له تدليك معين فيعود إلى عمله كذلك التنفس، أما إن توقف المخ فقد مات صاحبه، فهو الخلية الأولى والتي تحتفظ بآخر مظاهر الحياة في الجسم لذلك يقولون: موت إكلينيكي. وللمخ يصل خلاصة الغذاء، وهو المخدوم الأعلى بين الأعضاء، فالجسم يأخذ من الغذاء ما يكفي طاقته الاحتراقية في العمل، وما زاد على طاقته يختزن على شكل دهون يتغذى عليها الجسم، حين لا يوجد الطعام، فإذا ما انتهى الدهن تغذى على اللحم، ثم على العظم ليوفر للمخ ما يحتاجه، فهو السيد في الجسم، ومن بعده تتغذى باقي الأعضاء. إذن: كل شيء في الجسم يخدم المخ لأنه أعلى الأعضاء، أما النبات مثلا فيخدم أسفله، فإذا جف الماء في التربة ولم يجد النبات الغذاء الكافي يتغذى على أعلاه فيذبل أولا، ثم تتساقط الأوراق، ثم تجف الفروع الصغيرة، ثم الجذع، ثم الجذر. ومن ذلك قول سيدنا زكريا عليه السلام:
قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا..
[مريم: 4] فالعظم آخر مخزن للغذاء في الجسم، فوهن العظم دليل على أن المسألة أوشكت على النهاية. إذن: فقوله تعالى: ﴿ فيدمغه.. ﴾ [الأنبياء: 18] أي: يصيبه في أهم الأعضاء وسيدها والمتحكم فيها، لا في عضو آخر يمكن أن يجبر لذلك يقول بعدها: ﴿ فإذا هو زاهق.. ﴾ [الأنبياء: 18] زاهق: يعني خارج بعنف. وقوله تعالى: ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ [الأنبياء: 18] يعني: أيها الإنسان المغتر بلججه وعناده في الباطل، ووقف بعقله وقلبه ليصادم الحق، سنقذف بالحق على باطلك، فنصيب دماغه فيزهق، ساعتها ستقول: يا ويلتي كما سبق أن قالوا:
يويلنآ إنا كنا ظالمين
[الأنبياء: 14] حينما يباشرون العذاب. ومعنى: ﴿ تصفون ﴾ [الأنبياء: 18] تكذبون كذبا افترائيا، كما لو رأيت شخصا جميلا، فتقول: وجهه يصف الجمال، يعني: إن كنت تريد وصفا للجمال، فانظر إلى وجهه يعطيك صورة للجمال، كما جاء في قوله تعالى:
وتصف ألسنتهم الكذب..
[النحل: 62] يعني: إن أردت أن تعرف الكذب بعينه، فاسمع كلامهم وما قالته ألسنتهم. كما يقولون: حديث خرافة، وأصل هذه المقولة رجل اسمه خرافة، كان يقول: أنا عندي سهم إن أطلقته على الظبي يسير وراءه، فإن التفت يمينا سار وراءه، فإن ذهب شمالا ذهب وراءه، فإن صعد الجبل صعد وراءه، فإن نزل نزل وراءه. وكأن سهمه صاروخ موجه كالذي نراه اليوم!! فسار كلامه مثالا يضرب للكذب. لذلك قال الشاعر: