تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الهجمات التترية للمفسدين في الأرض كانت هجمات همجية وحشية، وقد تجمع أحفاد هؤلاء من يأجوج ومأجوج العصر الحديث في هجمات مدنية تغزونا بحضارتها، إنهم الصليبيون الذين انهزموا أمام وحدة المسلمين بقيادة صلاح الدين. وهكذا على مر التاريخ ننتصر إذا كنا أمة واحدة، ونهزم إذا تفرقنا وتقطعنا أمما وأحزابا، وهذه حقائق تثبت صدق القرآن فيما وجهنا إليه من الوحدة وعدم التفرق. ثم يقول تعالى: ﴿ وهم من كل حدب ينسلون ﴾ [الأنبياء: 96]. الحدب: المكان المرتفع، نقول: فلان أحدب الظهر يعني: في ظهره منطقة مرتفعة، وكذلك هؤلاء المفسدون أتوا من أماكن مرتفعة في هضبة شمال الصين. ومعنى ﴿ ينسلون ﴾ [الأنبياء: 96] يعني: يسرعون، ومنه نقول: انسل القماش لأن القماش مكون من سدى ولحمة، يعني خيوط طولية وخيوط عرضية، تتداخل فتكون القماش، فنسل القماش أن تنزع خيوط العرض وتفك تداخلها مع خيوط الطول، ولا تنزع خيوط الطول لأنها دائما محكمة بثنى السدى على اللحمة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا.. ﴾.

21.97

فكون أهل الفساد يأتون مسرعين من كل حدب وصوب إلا أن فسادهم لن يطول، فقد اقتربت القيامة، قال تعالى:

اقتربت الساعة وانشق القمر

[القمر: 1]. وقال:

أتى أمر الله فلا تستعجلوه..

[النحل: 1]. وهذا تنبيه للغافل، وتحذير للباغي من أهل الفساد، وتطمين ورجاء للمظلومين المستضعفين المعتدى عليهم: اطمئنوا فقد قرب وقت الجزاء. ﴿ واقترب الوعد الحق.. ﴾ [الأنبياء: 97] والوعد الحق أي: الصادق الذي يملك صاحبه أن ينفذه، فقد تعد وعدا ولا تملك تنفيذه فهو وعد، لكنه وعد باطل، فالوعد يختلف حسب مروءة الواعد وإمكانياته وقدرته على إنفاذ ما وعد به. لكن مهما كانت عندك من إمكانيات، ومهما ملكت من أسباب التنفيذ، أتضمن أن تمكنك الظروف والأحوال من التنفيذ؟ ولا يملك هذا كله إلا الله عز وجل، فإذا وعد حقق ما وعد به، فالوعد الحق - إذن - هو وعد الله. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ واقترب الوعد الحق.. ﴾ [الأنبياء: 97] فتنبه ولا تقس الدنيا بعمرها الأساسي، إنما قس الدنيا بعمرك فيها، فهذه هي الدنيا بالنسبة لك، ولا دخل لك بدنيا غيرك، فإذا كنت لا تعلم متى تفارق دنياك فلا شك أن عمرك قريب، واقترب الوعد الحق بالنسبة لك. وكذلك مدة مكثك في قبرك إلى أن تقوم الساعة ستمر عليك كساعة من نهار، كما قال سبحانه:

كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار..

[يونس: 45]. ولو تنبه كل منا إلى إخفاء الله لأجله، لعلم أن في هذا الإخفاء أعظم البيان، فحين أخفاه ترقبناه في كل طرفة عين، وتنفس نفس لذلك يقولون: " من مات قامت قيامته " ، لأن القيامة تعني الحساب والجزاء على الأعمال، ومن مات انقطع عمله، وطويت صحيفته. وقوله تعالى: ﴿ فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا.. ﴾ [الأنبياء: 97] وعد الله هنا هو القيامة، وهي تفاجئنا وتأتينا بغتة لذلك نقول في فإذا أنها الفجائية، كما تقول: خرجت فإذا أسد بالباب، يعني: فوجئت به، وهكذا ساعة تقوم الساعة سوف تفاجئ الجميع، لا يدري أحد ماذا يفعل. لذلك يقول سبحانه: ﴿ فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا.. ﴾ [الأنبياء: 97] وشخوص البصر يأتي حين ترى شيئا لا تتوقعه، ولم تحسب حسابه، فتنظر مندهشا يجمد جفنك الأعلى الذي يتحرك على العين، فلا تستطيع حتى أن ترمش أو تطرف. وفي آية أخرى يقول تعالى:

إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار

[إبراهيم: 42]. وإذا أردت أن ترى شخوص البصر فانظر إلى شخص يفاجأ بشيء لم يكن في باله، فتراه - بلا شعور وبغريزته التكوينية - شاخص البصر، لا ينزل جفنه. ثم يقولون: ﴿ يويلنا قد كنا في غفلة من هذا.. ﴾ [الأنبياء: 97].

فلم يقتصر الموقف على شخوص البصر إنما تتحرك أيضا أدوات الإدراك فيقول اللسان: ﴿ يويلنا ﴾ وهذا نداء للويل أي: جاء وقتك فلم يعد أمامهم إلا أن يقولوا: يا عذاب هذا أوانك فاحضر. والويل: هو الهلاك السريع ينادونه، فهل يطلب الإنسان الهلاك، ويدعو به لنفسه؟ نقول: نعم، حين يفعل الإنسان الفعل ويجد عواقبه السيئة، وتواجهه الحقيقة المرة يميل إلى تعذيب نفسه، ألا تسمع مثل هؤلاء يقولون: أنا أستحق.. أنا أستاهل الضرب..؟ إنه لوم النفس وتأنيبها على ما كان منها، فهي التي أوقعته في هذه الورطة. لذلك يقول سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٠٩