فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا
[عبس: 24-28]. وفي موضع آخر قال:
ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر
[القمر: 11-12]. فالمراد - إذن - أن الأرض وحدها كانت رتقا، فتفجرت بالنبات، وأن السماء كانت رتقا فتفجرت بالمطر، فشق الله السماء بالمطر، وشق الأرض بالنبات الذي يصدعها:
والسمآء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع
[الطارق: 11-12]. وقال عن السماء:
ويوم تشقق السمآء بالغمام..
[الفرقان: 25] على اعتبار أن السماء كل ما علاك فأظلك، فيكون السحاب من السماء. نفهم من هذا الرأي أن الفتق ليس فتق السماء عن الأرض، إنما فتق كل منهما على حدة، وعلى كل حال هو فهم لا يعطي حكما جديدا، واجتهاد على قدر عطاء العقول قد تثبته الأيام، وقد تأتي بشيء آخر، المهم أن القولين لا يمنع أحدهما الآخر.
وقوله تعالى: ﴿ وجعلنا من المآء كل شيء حي.. ﴾ [الأنبياء: 30] قال أصحاب التأويل الثاني: ما دام ذكر هنا الماء، فلا بد أن له صلة بالرتق والفتق في كل من الأرض والسماء. ونلحظ أن الآية لم تقل: كل شيء حيا، إنما ﴿ وجعلنا من المآء كل شيء حي.. ﴾ [الأنبياء: 30] وقد استدلوا بها على أن الحي المراد به الحياة الإنسانية التي نحياها، ولم يفطنوا إلى أن الماء داخل في تكوين كل شيء، فالحيوان والنبات يحيا على الماء فإن فقد الماء مات وانتهى، وكذلك الأدنى من الحيوان والنبات فيه مائية أيضا، فكل ما فيه لمعة أو طراوة أو ليونة فيه ماء. فالمعنى ﴿ كل شيء حي.. ﴾ [الأنبياء: 30] أي: كل شيء مذكور موجود. والتحقيق العلمي أن لكل شيء حياة تناسبه، وكل شيء فيه ماء، بدليل قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..
[الأنفال: 24]. والحق سبحانه يخاطبهم وهم أحياء، إذن: يحييكم أي: حياة أخرى لها قيمة لأن حياتكم هذه قصاراها الدنيا، إنما استجيبوا لحياة أخرى خالدة هي حياة الآخرة. وسمي الشيء الذي يتصل بالمادة، فتدب فيها الحياة روحا، فقال:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي..
[الحجر: 29]. وسمي المنهج الذي ينزل من السماء لهداية الأرض روحا، وسمي الملك الذي ينزل به روحا لأنه يعطينا حياة دائمة باقية، لا فناء لها، وهكذا يتم الارتقاء بالحياة. فإذا نزلنا أدنى من ذلك وجدنا للحيوان حياة، وللنبات حياة، فالحيوان ينفق ويموت، والنبات إن منعته الماء جف وذبل وانتهى. أما الجماد فله حياة أيضا، بدليل قوله تعالى:
كل شيء هالك إلا وجهه..
[القصص: 88]. فوصف كل ما يقال له شيء بأنه هالك، والهلاك ضد الحياة، فلا بد أن تكون له حياة، ألم تقرأ قوله تعالى:
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة..
[الأنفال: 42] فالحياة ضدها الهلاك. إذن: فكل شيء في المخلوقات حتى الجماد له حياة، وفي تكوينه مائية، كما قال سبحانه: ﴿ وجعلنا من المآء كل شيء حي.. ﴾ [الأنبياء: 30]. ويختتم سبحانه هذه الآية بقوله: ﴿ أفلا يؤمنون ﴾ [الأنبياء: 30] يعني: أعموا عن هذه الآيات التي نبهوا إليها، وامتنعوا عن الإيمان؟ فكان يجب عليهم أن يلتفتوا إلى هذه الآيات العجيبة والنافعة لهم، كيف والبشر الآن يقفون أمام مخترع أو آله حديثة أو حتى لعبة تبهرهم فيقولون: من فعل هذه؟ ويؤرخون له ولحياته، وتخرج في كلية كذا... إلخ. فمن الأولى أن نلتفت إلى الخالق العظيم الذي أبدع لنا هذا الكون، فالانصراف - إذن - عن آيات الله والإعراض عنها حالة غير طبيعية لا تليق بأصحاب العقول. يقول الحق سبحانه: ﴿ وجعلنا في الأرض... ﴾.