تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21.28

الكلام هنا عن العباد المكرمين من الملائكة، فمع أن الله أكرمهم وفضلهم، إلا أنه لم يتركهم دون متابعة ومراقبة، إنما يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولم تترك لهم مسألة الشفاعة يدخلون فيها من أحبوا إنما ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى.. ﴾ [الأنبياء: 28]. أي: لمن ارتضاه الله وأحبه، فإياكم أن تفهموا أنكم حين تقولون: الملائكة بنات الله، أو تعبدونهم من دون الله أنهم يكونون لكم شفعاء عند الله لأنهم لا يشفعون إلا لمن أحبه الله، وارتضاه من أهل الإيمان، فلا تظن أنهم

عباد مكرمون

[الأنبياء: 26] أي: مدللون يفعلون ما يحلو لهم، لا، إنهم مع ذلك ملتزمون بحدودهم لا يتعدونها، فما أكرمتهم كل هذا الإكرام إلا لأنهم مطيعون ملتزمون. وهم مع هذه الطاعة ﴿ من خشيته مشفقون ﴾ [الأنبياء: 28] فليسوا مع هذا الإكرام مطمئنين آمنين، بل مشفقون خائفون وجلون من خشية الله. ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه... ﴾.

21.29

أي: على فرض أن قال أحدهم هذا القول، إذن: هذا كلام لم يحدث، ولا يمكن أن يقال منهم ﴿ فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ﴾ [الأنبياء: 29] لماذا؟ لأنهم أخذوا الظلم في أعلى مراتبة وعنفوانه وطغيانه، ظلم في مسألة القمة

إن الشرك لظلم عظيم

[لقمان: 13]. لذلك يهددهم، مع أنهم ملائكة ومكرمون، لكن إن بدر من أحدهم هذا القول فجزاؤه جهنم، وفي هذا اطمئنان للخلق أجمعين. *** بعد ذلك أراد الحق - سبحانه وتعالى - أن يدلل على هذه الوحدانية التي أكدها في كلامه السابق، والوحدانية في طيها الأحدية، لأن هناك فرقا بينهما، وليسا مترادفين كما يظن البعض، فواحد وأحد وصفان لله عز وجل

قل هو الله أحد

[الإخلاص: 1] وقال:

الواحد القهار

[الرعد: 16]. فالواحد أي: الفرد الذي لا يوجد له نظير، وهذا الواحد في ذاته أحد أي: ليس له أجزاء، فالواحدية تمنع أن يوجد فرد مثله، والأحدية تمنع أن يكون في ذاته مكونا من أجزاء لأنه سبحانه لو كون من أجزاء لصار كل جزء محتاجا في وجوده إلى الجزء الآخر، فلا احتياج له في وجوده ليكون كله، إذن: فلا هو كلي، ولا هو جزئي. فاختار سبحانه للتدليل آيات الكون الموجودة والمشهودة التي لا يمكن أن ينكرها أحد لأنها آيات مرتبة واضحة ونافعة في الوقت نفسه، فقد يكون المرئي واضحا لكن لا حاجة لك فيه - فالإنسان يشعر بمنفعة الشمس لو غابت عنه، ويشعر بمنفعة المطر إن امتنعت السماء عن المطر.. إلخ. فمشهودية هذه الآيات تقتضي الالتفات إليها، والنفعية فيها تقتضي أيضا الالتفات إليها، حتى وهي غائبة عنك، فتنظر وتتطلع إلى عودتها من جديد. فيقول الحق سبحانه: ﴿ أولم ير الذين كفروا أن السماوات... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦٤٩