21.91
ولك أن تسأل: لماذا يأتي ذكر السيدة مريم ضمن مواكب النبوة؟ نقول: لأن النبوة اصطفاء الله لنبي من دون خلق الله، وكونه يصطفي مريم من دون نساء العالمين لتلد بدون ذكورة، فهذا نوع من الاصطفاء، وهو اصطفاء خاص بمريم وحدها من بين نساء العالمين لأن اصطفاء الأنبياء تكرر، أما اصطفاء مريم لهذه المسألة فلم يتكرر في غيرها أبدا. وقوله تعالى: ﴿ والتي أحصنت فرجها.. ﴾ [الأنبياء: 91] يعني: عفت وحفظت فرجها، فلم تمكن منها أحدا. ومعنى: ﴿ فنفخنا فيها من روحنا.. ﴾ [الأنبياء: 91] يعني: مسألة خاصة به، خارجة على قانون الطبيعة، فليس في الأمر ذكورة أو انتقاء، إنما النفخة التي نفخها الله في آدم، فجاءت منها كل هذه الأرواح، هي التي نفخها في مريم، فجاءت منها روح واحدة. فالروح هي نفسها التي قال الله فيها:
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي..
[الحجر: 29]. ثم يقول تعالى: ﴿ وجعلناها وابنهآ آية للعالمين ﴾ [الأنبياء: 91] يعني: شيئا عجيبا في الكون، والعجيبة فيها أن تلد بدون ذكورة، والعجيبة فيه أن يولد بلا أب، فكلاهما آية لله ومعجزة. ثم يقول الحق سبحانه بعد سرد لقطات من موكب الأنبياء: ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة... ﴾.
21.92
الأمة: الجماعة يجمعها رباط واحد من أرض أو ملك ملك أو دين، كما جاء في قوله تعالى:
وجدنآ آبآءنا على أمة..
[الزخرف: 22] يعني: على دين. فالمراد: هذه أمتكم أمة حال كونها أمة واحدة، لا اختلاف فيها والرسل جميعا إنما جاءوا ليتمموا بناء واحدا، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ".
والمعنى أن به صلى الله عليه وسلم تتم النبوة وتختم. وتطلق الأمة على الرجل الذي يجمع خصال الخير كلها لأن الله تعالى بعثر خصال الخير في الخلق، فليس هناك من هو مجمع مواهب وفضائل، إنما في كل منا ميزة وفضيلة في جانب من الجوانب ليتكامل الناس ويحتاج بعضهم إلى بعض، ويحدث الترابط بين عناصر المجتمع، هذا الترابط يتم إما بحاجات تطوعية، أو حاجات اضطرارية. فلو تعلم الناس جميعا وتخرجوا في الجامعة فمن للمهن والحرف الأخرى؟ من سيكنس الشوارع، ويقضي مثل هذه الأمور؟ لو تعطلت مجاري الصرف الصحي، أيجتمع هؤلاء الدكاترة والأساتذة لإصلاحها، ولو أصلحوها مرة فهذا تطوع. أما المصالح العامة فلا تقوم على التطوع إنما تقوم على الحاجة والاضطرار، ولولا هذه الحاجة لما خرج عامل الصرف الصحي في الصباح إلى هذا العمل الشاق المنفر، لكن كيف وفي رقبته مسئولية أسرة وأولاد ونفقات؟ وسبق أن قلنا: ينبغي ألا يغتر المرء بما عنده من مواهب ومميزات، ولا يتعالى بها على خلق الله، وعليه أن يسأل عما عند الآخرين من مواهب يحتاج هو إليها، ولا يؤديها بنفسه. إذن: الحاجة هي الرابطة في المجتمع، ولو كان التطوع والتفضل فلن نحقق شيئا، فلو قلنا للعامل: تفضل بكنس الشارع لوجد ألف عذر يعتذر به، أما إن كان أولاده سيموتون جوعا إن لم يعمل فلا شك أنه سيسرع ويبادر. فالحقيقة أن كل فرد في المجتمع لا يخدم إلا نفسه، فكما تنفع الآخرين تنتفع بهم لذلك إياك أن تحسد صاحب التفوق على تفوقه في أمر من الأمور لأن تفوقه في النهاية عائد عليك. وكما نقول هذه المسائل في أمور الدنيا نقولها في أمور الآخرة، حين نرى صاحب التدين، وصاحب الخلق والالتزام لا نهزأ به ولا نسخر منه، كما يحلو للبعض لأن صلاحه سيعود عليك، وسوف تنتفع بتدينه واستقامته ولعلنا نرزق بسبب هؤلاء. وقد يكون في البيت الواحد فتوات وأذكياء ومتعلمون وفيهم معوق أو مجنون أو مجذوب، فترى الجميع يحتقرونه، ويهونون من شأنه، أو تراه منبوذا بين هؤلاء مبعدا، لا يشرف بمعرفته أحد، وربما يعيشون جميعا في ظله ويرزقون كرامة له.