21.103
ذلك لأنهم في نعيم دائم لا ينقطع، وعطاء غير مجذوذ، لا يفوتك بالفقر ولا تفوته بالموت لذلك: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر.. ﴾ [الأنبياء: 103] وأي فزع مع هذه النعمة الباقية؟ أو: لا يحزنهم فزع القيامة وأهوالها. وقوله: ﴿ وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ [الأنبياء: 103] فقد صدقكم الله وعده، وأنجز لكم ما وعدكم به من نعيم الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب كما بدأنآ... ﴾.
21.104
أي: ما يحدث من عذاب الكفار وتنعيم المؤمنين سيكون ﴿ يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب.. ﴾ [الأنبياء: 104] و يوم: زمن وظرف للأحداث، فكأن ما يحدث للكافرين من العذاب والتنكيل، وما يحدث للمؤمنين من الخلود في النعيم يتم في هذا اليوم. والسجل: هو القرطاس، والورق الذي نكتب فيه يسمى سجلا ولذلك الناس يقولون: نسجل كذا، أي: نكتبه في ورقة حتى يكون محفوظا، والكتاب: هو المكتوب. والحق سبحانه يقول في آية أخرى:
والسماوات مطويات بيمينه..
[الزمر: 67] يطويها بقدرته لأن اليمين عندنا هي الفاعلة في الأشياء، ولكن لا نأخذ الطي أنه الطي المعروف، بل نأخذه في إطار
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 11]. وقوله تعالى: ﴿ كما بدأنآ أول خلق نعيده.. ﴾ [الأنبياء: 104] يدلنا على أن الحق سبحانه يتكلم عن الخلق الأول و ﴿ نعيده.. ﴾ [الأنبياء: 104] تدل على وجود خلق ثان. إذن: فقوله تعالى في موضع آخر:
يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار
[إبراهيم: 48] دليل على أن الخلق الأول خلق فيه الأسباب وفيه المسبب، فالحق سبحانه أعطاك في الدنيا مقومات الحياة من: الشمس والقمر والمطر والأرض والماء.... الخ، وهذه أمور لا دخل لك فيها، وكل ما عليك أن تستخدم عقلك الذي خلقه الله في الترقي بهذه الأشياء والترف بها. أما في الخلق الثاني فأنت فقط تستقبل النعيم من الله دون أخذ بالأسباب التي تعرفها في الدنيا لأن الآخرة لا تقوم بالأسباب إنما بالمسبب سبحانه، وحين ترى في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر تعلم أن فعل ربك لك أعظم من فعلك لنفسك. ومهما ارتقت أسباب الترف في الدنيا، ومهما تفنن الخلق في أسباب الراحة والخدمة الراقية، فقصارى ما عندهم أن تضغط على زر يفتح لك الباب، أو يحضر لك الطعام أو القهوة، لكن أتحدى العالم بما لدية من تقدم وتكنولوجيا أن يقدم لي ما يخطر ببالي من طعام أو شراب، فأراه أمامي دون أن أتكلم لأن هذه مسألة لا يقدر عليها إلا الله عز وجل. فقوله: ﴿ كما بدأنآ أول خلق نعيده.. ﴾ [الأنبياء: 103] فالمعنى ليست مجرد إعادته كما كان، إنما نعيده على أرقى وأفضل مما كان بحيث يصل بك النعيم أن يخطر الشيء ببالك فتجده بين يديك، بل إن المؤمن في الجنة يتناول الصنف من الفاكهة فيقول: لقد أكلت مثل هذا من قبل فيقال له: ليس كذلك بل هو أفضل مما أكلت، وأهنأ مما تذوقت. فلو تناولت مثلا تفاح الدنيا تراه خاضعا لنوعية التربة والماء والجو المحيط به والمبيدات التي لا يستغني عنها الزرع هذه الأيام... إلخ. أما تفاح الآخرة فهو شيء آخر تماما، إنه صنعة ربانية وإعداد إلهي. وكأن الحق سبحانه يلفت عباده إلى أن عنايته بهم أفضل من عنايتهم بأنفسهم لأنه سبحانه أولى بنا من أنفسنا، ولكي نعلم الفرق بين الشيء في أيدينا والشيء في يده عز وجل. ثم يقول تعالى: ﴿ وعدا علينآ إنا كنا فاعلين ﴾ [الأنبياء: 104] أي: لا يخرجنا شيء عما وعدنا به، ولا يخالفنا أحد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن... ﴾.