وأنزلنا..
[الحديد: 25] أي: من أعلى مع أنه خارج من الأرض. إذن: مسألة الحديد في الأرض نعمة كبيرة من نعم الله علينا، بها نحفظ أنفسنا من العدو، فالحق - سبحانه وتعالى - خلق الخلق ولم يتركه هكذا يدبر أمره، إنما خلقه ووضع له قانون حمايته وصيانته، وهذا يستحق منا الشكر الدائم الذي لا ينقطع. ثم ينتقل السياق من الكلام عن داود إلى ابنه سليمان عليهما السلام، فيقول الحق سبحانه: ﴿ ولسليمان الريح عاصفة... ﴾.
21.81
لا شك أن سليمان - عليه السلام - قد استفاد بما علم الله به أباه داود، وأخذ من نعمة الله على أبيه، وهنا يزيده ربه - تبارك وتعالى - أمورا يتميز بها، منها الريح العاصفة أي: القوية الشديدة ﴿ تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها.. ﴾ [الأنبياء: 81] وكأنها مواصلات داخلية في مملكته من العراق إلى فلسطين. وفي موضع آخر قال:
وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء حيث أصاب
[ص: 35-36]. رخاء: أي: هينة لينة ناعمة، وهنا قال ﴿ عاصفة.. ﴾ [الأنبياء: 81] فكأن الله تعالى جمع لهذه الريح صفة السرعة في عاصفة وصفة الراحة في رخاء، وهاتان صفتان لا يقدر على الجمع بينهما إلا الله، فنحن حين تسرع بنا السيارة مثلا لا تتوفر لنا صفة الراحة والاطمئنان، بل يفزع الناس ويطلبون تهدئة السرعة. أما ريح سليمان فكانت تسرع به إلى مراده، وهي في الوقت نفسه مريحة ناعمة هادئة لا تؤثر في تكوينات جسمه، ولا تحدث له رجة أو قوة اندفاع يحتاج مثلا إلى حزام أمان، فمن يقدر على الجمع بين هذه الصفات إلا الله القابض الباسط، الذي يقبض الزمن في حق قوم ويبسطه في حق آخرين. ومعنى: ﴿ باركنا فيها.. ﴾ [الأنبياء: 81] أي: بركة حسية بما فيها من الزروع والثمار والخصب والخيرات، وبركة معنوية حيث جعل فيها مهابط الوحي والنبوات وآثار الأنبياء. وليس تسخير الريح لسليمان أنها تحمله مثلا، كما رأينا في السينما بساط الريح الذي نراه يحمل شيئا ويسير به في الهواء، أو: أنها كانت تسير المراكب في البحار، إنما المراد بتسخيرها له أن تكون تحت مراده، وتأتمر بأمره، فتسير حيث شاء يمينا أو شمالا، فهي لا تهب على مرادات الطبيعة التي خلقها الله عليها، ولكن على مراده هو. وإن كانت هذه الريح الرخاء تحمله في رحلة داخلية في مملكته، فهناك من الرياح ما يحمله في رحلات وأسفار خارجية، كالتي قال الله تعالى عنها:
ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر..
[سبأ: 12] فيجوب بها في الكون كيف يشاء
حيث أصاب
[ص: 36]. ثم يقول تعالى: ﴿ وكنا بكل شيء عالمين ﴾ [الأنبياء: 81] أي عندنا علم نرتب به الأمور على وفق مرادنا، ونكسر لمرادنا قانون الأشياء فنسير الريح كما نحب، لا كما تقتضيه الطبيعة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن الشياطين من يغوصون... ﴾.