تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21.53

إذن: لا حجة لهم في عبادتهم لهذه التماثيل التي صنعوها وأقاموها بأنفسهم، إلا أنهم رأوا آباءهم يعبدونها، فحجتهم التقليد الأعمى، ولو كان عندهم حجة لذاتية العمل لقالوها. وفي موضع آخر قالوا:

إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون

[الزخرف: 23] إذن: نعيب عليهم هذا التقليد ونعيب على آبائهم أيضا، فكيف يكون رد إبراهيم إذن؟ وكلمة ﴿ عابدين ﴾ [الأنبياء: 53] هنا تعبير عن أن عبادتهم لهم عبادة عن غير فهم، لأن العبادة طاعة عابد لأوامر معبوده، فبماذا أمرتهم الأصنام؟ ثم يقول الحق سبحانه عن إبراهيم أنه قال لقومه: ﴿ قال لقد كنتم أنتم... ﴾.

21.54

أراد أن يرشد هذا السفه فقال: أنتم في ضلال لأنكم قلدتم في الإيمان، والإيمان لا يكون بالتقليد، وآباؤكم لأنهم اخترعوا هذه المسألة وسنوها لكم. ومن العجيب أن يقلدوا آباءهم في هذه المسألة بالذات دون غيرها، وإلا فمن الذي يظل على ما كان عليه أبوه، ونحن نرى كل جيل يأتي بجديد مما لم يكن معروفا للجيل السابق. لذلك يقولون: الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم، فلكل زمن وضعه وارتقاءاته، وأنت تتحكم في ولدك ما دام صغيرا، فيأكل الولد ويشرب ويلبس حسب ما تحب أنت، فإذا ما شب وكبر صارت له شخصيته الخاصة وفكره المستقل، فيختار هو مأكله وملبسه، والكلية التي يدخلها، وربما انتقدك في بعض الأمور. إذن: هؤلاء قلدوا آباؤهم في هذه المسألة دون غيرها، فلماذا مسألة الإيمان بالذات تتمسكون فيها بالتقليد؟ ولو أن كل جيل جاء صورة طبق الأصل لسابقه لما تغير وجه الحياة، ففي هذا دلالة على أن لكل جيل ذاتيته المستقلة وفكره الخاص. لقد قلد هؤلاء آباءهم في هذه العبادة دون غيرها من الأمور لأنها عبادة وتدين بلا تكليف، وآلهة بلا منهج، لا تضيق عليهم في شيء، ولا تمنعهم شيئا مما ألفوه من الشهوات، فهو تدين بلا تبعة. لذلك فالحق سبحانه يرد عليهم في أسلوبين مختلفين، فمرة يقول تعالى:

وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون

[البقرة: 170]. وفي موضع آخر يقول:

وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون

[المائدة: 104]. ونلحظ أن عجز الآيتين مختلف، فمرة:

لا يعقلون شيئا..

[البقرة: 170] ومرة:

لا يعلمون شيئا..

[المائدة: 104] فلماذا؟ قالوا: لأن عجز كل آية مناسب لصدرها، وصدر الآيتين مختلف، ففي الأولى قالوا:

بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ..

[البقرة: 170] فيمكن أن نتبع هذا أو هذا، دون أن يقصروا أنفسهم على شيء واحد. وفي الثانية قالوا:

حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ..

[المائدة: 104] يعني: يكفينا، ولا نريد زيادة عليه، فقصروا أنفسهم على ما وجدوا عليه آباؤهم. لذلك قال في عجز الأولى:

لا يعقلون شيئا..

[البقرة: 170] وفي عجز الثانية

لا يعلمون شيئا..

[المائدة: 104] لأن العاقل هو الذي يهتدي إلى الأمر بذاته. أما الذي يعلم فيعلم ما عقله هو، وما عقله غيره، إذن: فدائرة العلم أوسع من دائرة العقل لأن العقل يهتدي للشيء بذاته، أما العلم فيأخذ اهتداء الآخرين. فكان ردهم: ﴿ قالوا أجئتنا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦٧٦