تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا صورة عن الإنجاز الذي لا دخل لاختيار البشر في أن يخالفوا فيه فيقول: ساعة يجيء الأمر انخلعت كل قدرة لمخلوق عن ذلك الأمر وأصبح الأمر لله وحده. و ﴿ في ظلل من الغمام ﴾ [البقرة: 210]. فيه شيء يظلك وفيه شيء تستظل به، والشيء الذي يظلك لا يكون لك ولاية عليه في أن يظلك إلا أن ترى أين ظله وتذهب إليه، وشيء آخر تستطيع أنت التصرف فيه كالمظلة تفتحها في أي مكان تريد. وكلمة " ظلل " معناها أنها تستر عنك مصدر الضوء ولذلك حينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يصور لنا ذلك قال:

وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله..

[لقمان: 32]. أي جاءهم الفزع الأكبر كالظلة محيطا بهم، فكأن الله يريد أن يخبرنا أن الكون سيندثر وسيأتيك الأمر المفزع، الأمر المفجع، والمؤمن كان يتوقعه، وسيدخل عليه بردا وسلاما لأنه ما آمن من أجله، لكن الكافر سيصاب بالفزع الأكبر لأنه فوجىء بشيء لم يكن في حسابه. وقارن بين مجيء الأمر لمن يؤمله، وبين مجيء الأمر لمن لا يؤمله. إن الحق سبحانه وتعالى قال: ساعة تجيء هذه الظلل والملائكة فقد قضى الأمر. وعندما تسمع " قضي الأمر " فاعلم أن المراد أن الفرصة أفلتت من أيدي الناس، فمن لم يرجع إلى ربه قبل الآن فليست له فرصة أن يرجع. ومثال ذلك ما قاله الحق في قصة نوح:

وقضي الأمر واستوت على الجودي..

[هود: 44]. أي انتهى كل شيء، ولم يعد للناس قدرة على أن يرجعوا عما كانوا فيه فالله يقول: ماذا تنتظرون؟ هل تنتظرون حتى يأتيكم هذا اليوم؟ لابد أن تنتهزوا الفرصة لترجعوا إلى ربكم قبل أن تفلت منكم فرصة العودة. " وإلى الله ترجع الأمور " ، ومرة تأتي " وإلى الله ترجع الأمور ". وفيه فرق بين " ترجع الأمور " بفتح التاء وبين " ترجع الأمور " بضم التاء. فكأن الأمور مندفعة بذاتها، ومرة تساق إلى الله. إن الراغب سيرجع إلى ربه بنفسه لأنه ذاهب إلى الخير الذي ينتظره، أما غير الراغب والذي كان لا يرجو لقاء ربه فسيرجع بالرغم عنه، تأتي قوة أخرى ترجعه، فمن لم يجيء رغبا يأتي رهبا. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٧