تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الإسراء: 1]. فالعزة في العبودية لله، والعزة في السجود له تعالى، فعبوديتك لله تعصمك من العبودية لغيره، وسجودك له تعالى يعصمك من السجود لغيره، ألا ترى قول الشاعر:

والسجود الذي تجتويه

من ألوف السجود فيه نجاة

إذن: فكبر الله تكبيرا وعظمه، والتجئ إليه، فمن التجأ إلى الله تعالى كان في معيته، وأفاض عليه الحق من صفاته، وعصمه من كيد الآخرين وقهرهم. وسبق أن ضربنا مثلا بالولد الصغير الذي يعتدي عليه أقرانه إن سار وحده، فإن كان في يد أبيه فلا يجرؤ أحد على الاعتداء عليه. فعليك - إذن - أن تكون دائما في معية ربك تأمن كيد الكائدين ومكر الماكرين، ولا ينالك أحد بسوء، فإن ابتلاه الله بشيء فكأنما يقول له: أبتليك بنعمتي لتأخذ من ذاتي، لأن الصحيح المعافى إن كان في معية نعمة الله، فالمبتلى في معية الله ذاته. ألم يقل الحق سبحانه في الحديث القدسي:

" يا بن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ".

فالمريض الذي يأنس بزائريه ويسعد بهم ويرى في زيارتهم تخفيفا من آلامه ومواساة له في شدته، ما باله إن أنس بالله وكان في جواره وكلاءته، والله الذي لا إله إلا هو لا يشعر بوخز المرض أبدا، ويستحي أن يتأوه من ألم، ولا ييأس مهما اشتد عليه البلاء لأنه كيف يتأوه من معية الله؟ وكيف ييأس والله تعالى معه؟ إذن: كبره تكبيرا.

أي: اجعل أمره ونهيه فوق كل شيء، وقل: الله أكبر من كل كبير حتى الجنة قل: الله أكبر من الجنة. ألا ترى قول رابعة العدوية:

كلهم يعبدونك من خوف نار

ويرون النجاة حظا جزيلا

أو بأن يسكنوا الجنان فيحظوا

بقصور ويشربوا سلسبيلا

ليس لي بالجنان والنار حظ

أنا لا أبتغي بحبي بديلا

وفي الحديث القدسي:

" أولو لم أخلق جنة ونارا، أما كنت أهلا لأن أعبد؟ ".

فالله تعالى بذاته سبحانه أكبر من أي شيء، حتى إن كانت الجنة، ففي آخر سورة الكهف يقول تعالى:

فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا

[الكهف: 110]. فلم يقل: من كان يرجو جزاء ربه، أو جنة ربه، أو نعيم ربه، إن المؤمن الحق لا ينظر إلى النعيم، بل يطمع في لقاء المنعم سبحانه، وهذا غاية أمانيه. وفي حديث آخر يقول الحق سبحانه للملائكة:

" أما رأيتم عبادي، أنعمت عليهم بكذا وكذا، وأسلب عنهم نعمتي ويحبونني ".

وبهذه الآية ختمت سورة الإسراء، فجعلنا الحق سبحانه نختمها بما أنعم علينا من هذه النعم الثلاث، وليس هذه هي كل نعم الله علينا، بل لله تعالى علينا نعم لا تعد ولا تحصى، لكن هذه الثلاث هي قمة النعم التي تستوجب أن نحمده عليها. فالحمد لله الذي لم يتخذ ولدا لأنه لم يلد ولم يولد وهو واحد أحد، والحمد لله الذي لم يتخذ شريكا لأنه واحد، والحمد لله الذي لم يكن له ولي من الذل لأنه القاهر العزيز المعز، ولهذا يجب أن نكبر هذه الإله تكبيرا في كل نعمة نستقبلها منه سبحانه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٥٥