تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها..

[الإسراء: 59] وليتهم كذبوا وكفروا بهذه الآية فحسب، بل واعتدوا عليها وعقروها. لذلك قال تعالى:

وما منعنآ أن نرسل بالآيات..

[الإسراء: 59] أي: التي اقترحوها

إلا أن كذب بها الأولون..

[الإسراء: 59] وما دام كذب بها الأولون فسوف يكذب بها هؤلاء لأن الكفر ملة واحدة في كل زمان ومكان. إذن: مسألة طلب الآيات واقتراح المعجزات ليست في الحقيقة رغبة في الإيمان، بل مجرد عناد ولجج ومحاولة للتعنت والجدل العقيم لإضاعة الوقت. ثم يقول تعالى: ﴿ فقال له فرعون ﴾ [الإسراء: 101] أي: بعد أن رأى الآيات كلها: ﴿ إني لأظنك يموسى مسحورا ﴾ [الإسراء: 101] فاتهمه بالسحر بعد أن أراه كل هذه الدلائل والمعجزات. وكلمة ﴿ مسحورا ﴾ [الإسراء: 101] اسم مفعول بمعنى سحره غيره، وقد يأتي اسم المفعول دالا على اسم الفاعل لحكمة، كما في قوله تعالى:

وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا

[الإسراء: 45]. والحجاب يكون ساترا لا مستورا، لكن الحق سبحانه جعل الحجاب نفسه مستورا مبالغة في الستر، كما نبالغ نحن الآن في استعمال الستائر، فنجعلها من طبقتين مثلا. ومن ذلك أيضا قوله تعالى:

ظلا ظليلا

[النساء: 57] فالظل نفسه مظلل، ونستطيع أن نلاحظ هذه الظاهرة إذا جلسنا في الحر تحت شجرة، فسوف نجد الهواء تحتها رطبا باردا، لماذا؟ لأن أوراق الشجر متراكمة يظلل بعضها بعضا، فتجد أعلاك طبقات متعددة من الظل، فتشعر في النهاية بجو لطيف مكيف تكييفا ربانيا. إذن: قوله ﴿ مسحورا ﴾ تفيد أنه سحر غيره، أو سحره غيره لأن المسحور هو الذي ألم به السحر، إما فاعلا له، أو مفعولا عليه. وهذه الكلمة قالها كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:

إن تتبعون إلا رجلا مسحورا

[الإسراء: 47] والمسحور بمعنى المخبول الذي أثر في السحر، فصار مخبولا مجنونا، وهذا كذب وافتراء على رسول الله من السهل رده وضحده. فإن كان ساحرا، فكيف يسحره غيره؟! ولماذا لم يسحركم كما سحر الذين آمنوا به؟ لماذا تأبيتم أنتم على سحره فلم تؤمنوا؟ وإن كان مسحورا مخبولا، والمخبول تتأتى منه حركات وأقوال دون أن تمر على العقل الواعي الذي يختار بين البديلات، فلا يكون له سيطرة على إراداته ولا على خلقه، فهل عهدكم بمحمد أن كان مخبولا؟ هل رأيتم عليه مثل هذه الصفات؟ لذلك رد الحق سبحانه عليهم هذا الافتراء بقوله تعالى:

ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم

[القلم: 1-4]. والمجنون لا يكون على خلق أبدا. وسوف يناقض فرعون نفسه، فبعد أن اتهم موسى بالسحر، ثم كانت الغلبة لموسى، وخر السحرة ساجدين، قال:

إنه لكبيركم الذي علمكم السحر..

[طه: 71] وهذا دليل على التخبط والإفلاس. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصآئر... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٣٩