. } [الإسراء: 97] فينفي عنهم الرؤية، وفي آيات أخرى يقول:
حتى إذا رأوا ما يوعدون..
[مريم: 75].
ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها..
[الكهف: 53]. فأثبت لهم الرؤية، فكيف نجمع بين هذه الآيات؟ والمتأمل في حال هؤلاء المعذبين في موقف البعث يجد أن العمى كان ساعة البعث، حيث قاموا من قبورهم عميا ليتحقق لهم الإذلال والحيرة والارتباك، ثم بعد ذلك يعودون إلى توازنهم ويعود إليهم بصرهم ليشاهدوا به ألوان العذاب الخاصة بهم، وهكذا جمع الله عليهم الذل في الحالين: حال العمى وحال البصر. لذلك يقول تعالى:
لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد
[ق: 22]. ثم يقول تعالى: ﴿ مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ﴾ [الإسراء: 97] مأواهم: أي: مصيرهم ونهايتهم. خبت: خبت النار. أي: ضعفت أو انطفأت، لكن ما دام المراد من النار التعذيب، فلماذا تخبو النار أو تنطفئ؟ أليس في ذلك راحة لهم من العذاب؟ المتأمل في الآية يجد أن خفوت النار وانطفاءها هو في حد ذاته لون من العذاب لأن استدامة الشيء يوطن صاحبه عليه، واستدامة العذاب واستمراره يجعلهم في إلف له، فإن خبت النار أو هدأت فترة فإنهم سيظنون أن المسألة انتهت، ثم يفاجئهم العذاب من جديد، فهذا أنكى لهم وآلم في تعذيبهم. وهذا يسمونه في البلاغة " اليأس بعد الإطماع " ، كما جاء في قول الشاعر:
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض
على الماء خانته فروج الأصابع
وفي السجون والمعتقلات يحدث مثل هذا، فترى السجين يشتد به العطش إلى حد لا يطيقه، فيصيح بالحارس ويتحنن إليه ويرجوه كوبا من الماء، فيأتي له بكوب الماء حتى يكون على شفتيه، ويطمع في أن يبل ريقه ويطفئ غلته، فإذا بالحارس يسكبه على الأرض، وهذا أنكى وأشد في التعذيب. وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة
فلما رجوها أقشعت وتجلت
أي: ساعة أن رأوها، واستشرفوا فيها الماء إذا بها تنقشع وتتلاشى، وتخيب رجاءهم فيها. وكذلك من ألوان العذاب التي قد يظنها البعض لونا من الراحة في جهنم والعياذ بالله، أن الله تعالى يبدل جلودهم بجلود أخرى جديدة، لا رحمة بهم بل نكاية فيهم، كما قال تعالى:
كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب..
[النساء: 56]. لأن الجلود إذا نضجت وتفحمت امتنع الحس، وبالتالي امتنعت إذاقة العذاب، إذن: العلة من تبديل الجلود تجديد الحس ليذوقوا العذاب إذاقة مستديمة. ومنذ عهد قريب كانوا يظنون أن الحس يأتي من المخ، إلا أنهم لاحظوا على الإنسان إحساسا قبل أن يصل شيء للمخ. فمثلا: لو أشرت بأصبعك إلى عين إنسان تراه يغمض عينه قبل أن تلمسه، وفسروا ذلك بما يسمونه العكس في النخاع الشوكي، ثم توالت البحوث للتعرف على مناط الحس في الإنسان أين هي؟ إلى أن انتهت تلك الأبحاث إلى ما أخبر به القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، من أن الجلد هو مركز الإحساس في الإنسان، بدليل أنك إذا أخذت حقنة مثلا، فبمجرد أن تخترق طبقة الجلد لا تشعر بألمها. فمن أين عرف العرب هذه النظريات العلمية الدقيقة؟ ومن أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم؟ إنه لون من ألوان الإعجاز القرآني للعرب ولغيرهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا... ﴾.