تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17]. وقال عن الآخرين:

والله لا يهدي القوم الظالمين

[الصف: 7] لكن يهدي العادلين. وقال:

والله لا يهدي القوم الفاسقين

[الصف: 5].. لكن يهدي الطائعين. وقال:

والله لا يهدي القوم الكافرين

[البقرة: 264].. لكن يهدي المؤمنين. إذن: بين الحق سبحانه في أساليب القرآن من شاء هدايته، أما من آثر الكفر وصمم ألا يؤمن فهو وشأنه، بل ويزيده الله من الكفر ويختم على قلبه، كما قال تعالى:

ونذرهم في طغيانهم يعمهون

[الأنعام: 110]. نعود إلى ﴿ من ﴾ في قوله تعالى: ﴿ ومن يهد الله فهو المهتد.. ﴾ [الإسراء: 97] قلنا: إن من اسم موصول بمعنى الذي، واستخدام من كاسم موصول لا يقتصر على الذي فقط، بل تستخدم لجميع الأسماء الموصولة: الذي، التي، اللذان، اللتان، الذين، اللاتي. فتقول: من جاءك فأكرمه، ومن جاءتك فأكرمها، ومن جاءاك فأكرمهما، ومن جاءتاك فأكرمهما، ومن جاءوك فأكرمهم، ومن جئنك فأكرمهن. فهذه ستة أساليب تؤديها من فهي - إذن - صالحة للمذكر وللمؤنث وللمفرد وللمثنى وللجمع، وعليك أن تلاحظ من في الآية: ﴿ ومن يهد الله فهو المهتد.. ﴾ [الإسراء: 97] جاءت من دالة على المفرد المذكر، وهي في نفس الوقت دالة على المثنى والجمع المذكر والمؤنث، فنقول: من يهدها الله فهي المهتدية، ومن يهدهم الله فهم المهتدون. وهكذا. ونسأل: لماذا جاءت من دالة على المفرد المذكر بالذات دون غيره في مجال الهدى، أما في الضلال فجاءت من دالة على الجمع المذكر؟ نقول: لأنه لاحظ لفظ من فأفرد الأولى، ولاحظ ما تطلق عليه من فجمع الثانية: ﴿ ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه.. ﴾ [الإسراء: 97]. وهنا ملحظ دقيق يجب تدبره: في الاهتداء جاء الأسلوب بصيغة المفرد: ﴿ ومن يهد الله فهو المهتد.. ﴾ [الإسراء: 97] لأن للاهتداء سبيلا واحدا لا غير، هو منهج الله تعالى وصراطه المستقيم، فللهداية طريق واحد أوضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".

أما في الضلال، فجاء الأسلوب بصيغة الجمع: ﴿ فلن تجد لهم أوليآء.. ﴾ [الإسراء: 97] لأن طرق الضلال متعددة ومناهجه مختلفة، فللضلال ألف طريق، وهذا واضح في قول الحق سبحانه:

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله..

[الأنعام: 153]. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما قرأ هذه الآية خط للصحابة خطا مستقيما، وخط حوله خطوطا متعرجة، ثم أشار إلى الخط المستقيم وقال:

" هذا ما أنا عليه وأصحابي ".

إذن: الهداية طريق واحد، وللضلال ألف مذهب، وألف منهج لذلك لو نظرت إلى أهل الضلال لوجدت لهم في ضلالهم مذاهب، ولكل واحد منهم هواه الخاص في الضلال. فعليك أن تقرأ هذه الآية بوعي وتأمل وفهم لمراد المتكلم سبحانه، فلو قرأها غافل لقال: فلن تجد له أولياء من دونه، ولأتبع الثانية الأولى.

ومن هنا تتضح توقيفية القرآن، حيث دقة الأداء الإلهي التي وضعت كل حرف في موضعه. وقوله: ﴿ أوليآء ﴾ أي: نصراء ومعاونين ومعينين ﴿ من دونه ﴾ أي: من بعده ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم.. ﴾ [الإسراء: 97]. الحشر: القيام من القبور والجمع للحساب ﴿ على وجوههم ﴾ هنا تعجب بعض الصحابة، فسألوا رسول الله: وكيف يسير الإنسان على وجهه؟ فقال صلى الله عليه وسلم:

" إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ".

وما العجب في ذلك ونحن نرى مخلوقات الله:

فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع..

[النور: 45]. ألم تر الثعبان، كيف هو سريع في مشيته، خفيف في حركته، فالذي خلق قادر أن يمشي من ضل في القيامة على بطنه، لأن المسألة إرادة مريد ليوقع بهم غاية الذلة والهوان، ويا ليتهم تنتهي بهم المهانة والمذلة عند هذا الحد، بل: ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما.. ﴾ [الإسراء: 97]. هذا استطراق لوسائل الإهانة، ففضلا عن مشيهم على الوجوه فهم عمي لا يرون شيئا، ولا يهتدون، وهم صم لا يسمعون نداء، وهم بكم لا يقدرون على الكلام، ولك أن تتصور إنسانا جمعت عليه كل هذه الوسائل ليس في يوم عادي، بل في يوم البعث والنشور، فإذا به يفاجأ بهول البعث، وقد سدت عليه جميع منافذ الإدراك، فهو في قلب هذا الهول والضجيج، ولكنه حائر لا يدري شيئا، ولا يدرك ما يحدث من حوله. ولنا هنا لفتة على هذه الآية، فقد ورد في القرآن كثيرا: صم بكم بهذا الترتيب إلا في هذه الآية جاءت هكذا: ﴿ وبكما وصما ﴾ ومعلوم أن الصمم يسبق البكم لأن الإنسان يحكي ما سمعه، فإذا لم يسمع شيئا لا يستطيع الكلام، واللغة بنت السماع، وهي ظاهرة اجتماعية ليست جنسا وليست دما. وسبق أن قلنا: إن الولد الإنجليزي إذا تربى في بيئة عربية يتكلم بالعربية والعكس لأن اللغة ليست جنسا، بل ظاهرة اجتماعية تقوم على السماع، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. حتى العربي نفسه الذي يعيش في بيئة عربية، إلا أنه لم يسمع هذه الألفاظ الغريبة المتقعرة لا يستطيع محاكاتها ولا يعرف معناها. لكن في هذه الآية جاء البكم أولا، لماذا؟ لأنه ساعة يفاجأ بهول البعث والحشر كان المفروض أن يسأل أولا عما يحدث، ثم يسمع بعد ذلك إجابة على ما هو فيه، لكنه فوجئ بالبعث وأهواله، ولم يستطع حتى الاستفسار عما حوله، وهكذا سبق البكم الصمم في هذا الموقف. وهنا أيضا اعتراض لبعض المستشرقين ومن يجارونهم ممن أسلموا بألسنتهم، ولم تطمئن قلوبهم لنور الله، يقولون: القرآن يقول: { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٣٢