تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فانظر إلى الترقي في النفع، إما صوم ثلاثة أيام، وإما إطعام ستة مساكين، وإما ذبح ذبيحة أي شاة. إن هذا تصعيد من الأضعف للأقوى كل بحسب طاقته ومقدرته. والحق سبحانه وتعالى ساعة يشرع كفارات معينة فذلك من أجل مراعاة العمليات المطلوبة في الحج، والمناسبة لظروف وحالة المسلم، فأباح له في حالة التمتع مثلا أن يقسم الصوم إلى مرحلتين: ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم. إنه الترقي في التشريعات، واختيار للأيسر الذي يجعل المؤمن يخرج من المأزق الذي هو فيه. ﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ﴾ [البقرة: 196]. وكلمة " فمن لم يجد " معناها أنه لا يملك، وهذا الذي لا يملك نقول له: لا تفعل كما يفعل كثير من الناس قبل أن يطوفوا، إن بعضهم يذهب للسوق ويشتري الهدايا، وبعد ذلك ساعة وجوب الهدي عليه يقول: ليس معي ولذلك سأصوم. هنا نقول له: ألم يكن ثمن تلك الهدايا يصلح لشراء الهدي؟ إنه لأمر غريب أن تجد الحاج يشتري هدايا لا حصر لها ساعات وأجهزة كهربائية ويملأ حقائبه، ثم يقول لا أجد ما أشتري به الهدي. أليس ذلك غشا وخداعا؟ إن من يفعل ذلك يغش نفسه. إذن قوله تعالى: ﴿ فمن لم يجد ﴾ [البقرة: 196] يعني لا يجد حقا، لا من تنفد أمواله في الهدايا، ثم يصبح صفر اليدين، ولذلك فالذين يحسنون أداء النسك لا يشترون هداياهم إلا بعد تمام أداء المطلوب في النسك، وإن بقي معهم مال اشتروا على قدر ما معهم. والذين ينفقون أموالهم في شراء الهدايا ثم يأتون عند ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ [البقرة: 196] ويقولون ليس معنا ثمن الهدى وسنصوم، الغريب أنهم لا يتذكرون الصوم إلا عند عودتهم، ألم يكن الأفضل للواحد منهم أن يصوم من البداية، من لحظة أن يعرف أنه لا يملك ثمن الهدى ويدخل في الإحرام للعمرة؟ إن المفروض أن يبدأ في صوم الثلاثة أيام حتى يكون عذره مسبقا وليس لاحقا وبعض العلماء أباح صوم أيام التشريق، وأيام التشريق الثلاثة هي التي تلي يوم العيد لأنهم كانوا " يشرقون اللحم " أي يبسطونه في الشمس ليجف ويقدد. وبعد ذلك عندما ينتهي من أداء المناسك إما أن يصوم السبعة الأيام في الطريق وهو عائد، أو عندما يصل لمنزله، إن له أن يختار ما يناسبه ﴿ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ﴾ [البقرة: 196] ومعروف أن " ثلاثة " و " وسبعة " تساوي " عشرة " ، وذلك حتى لا يظن الناس أن المقصود إما صوم ثلاثة أيام وإما سبعة أيام، ولذلك قال: ﴿ عشرة كاملة ﴾ [البقرة: 196] حتى لا يلتبس الفهم.

وربما أراد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا إلى أن الصائم سيصوم عشرة أيام فهي كاملة بالنسبة لأداء النسك. وليس الذابح بأفضل من الصائم، فما دام لم يجد ثمن الهدي وصام العشرة الأيام، فله الأجر والثواب كمن وجد وذبح. فإياك أن تظن أن الصيام قد ينقص الأجر أو هو أقل من الذبح. ويقول الحق: ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ [البقرة: 196]، وهذا التشريع مقصود به من لم يكن أهله مقيمين بمكة. ونعرف أن حدود المسجد الحرام هي اثنا عشر ميلا، والمقيم داخل هذه المسافة لا يلزمه ذبح ولا صوم، لماذا؟ بعض العلماء قال: لأن المقيمين حول المسجد الحرام طوافهم دائم فيغنيهم عن العمرة، فإن حج لا يدخل في هذا التشريع. ويختم الحق هذه الآية بقوله: ﴿ واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ [البقرة: 196]. كيف يقول الحق: إنه شديد العقاب في التيسيرات التي شرعها؟ أي: إياكم أن تغشوا في هذه التيسيرات، فليس من المعقول أو من المقبول أن ندلس شيئا فيها، لذلك حذرنا سبحانه من الغش في هذه المناسك بقوله: ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ [البقرة: 196]. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٢