تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ".

يعتقدون أن الإنسان له أن يرتكب ما يشاء من معاص ومظالم، ثم يظن أن حجة واحدة تسقط عنه كل ذنوبه، نقول لهؤلاء: أولا: لابد أن تكون الحجة لله. وثانيا: أن تكون من مال حلال، وما دامت لله ومن مال حلال فلا بد أن نعرف ما هي الذنوب التي تسقط عنه بعد الحج، فليست كل الذنوب تسقط، وإنما الذنوب المتعلقة بالله سبحانه وتعالى لأن الذنب المتعلق بالله أنت لم تظلم الله به، لكن ظلمت نفسك، ولكن الذنب المتعلق بالبشر فيه إساءة لهم أو انتقاص من حقوقهم، وبالتالي فإن ظلم العباد لا يسقط إلا برد حقوق العباد. ونعرف أن العمرة هي قصد البيت الحرام في مطلق زمان من العام، والحج قصد البيت في خصوص زمان من العام، ويقول بعض العلماء: إن هذا تكليف وذاك تكليف، فهل يجوز أداؤهما معا، أم كل تكليف يؤدى بمعزل عن الآخر؟ وبعضهم تناول ملحظيات الفضل والحسن، فالذي يقول: إن الإفراد بالحج أحسن، فذلك لأنه خص كل نسك بسفرة، والذي يقول: يؤديهما معا ويحرم بالحج والعمرة معا بإحرام واحد، فيذهب أولا ويأتي بنسك العمرة، ثم يظل على إحرامه إلى أن يخرج إلى الحج، وفي هذه الحالة يكون قد قرن الأمرين معا أي أداهما بإحرام واحد وهذا ما يفضله بعض من العلماء لأن الله علم أن العبد قد أدى نسكين بإحرام واحد، وهناك إنسان متمتع أي يؤدي العمرة، ثم يتحلل منها، وبعد ذلك يأتي قبل الحج ليحرم بالحج، وهذا اسمه التمتع، وهو متمتع لأنه تحلل من الإحرام، ومن العلماء من يقول: إن التمتع أحسن لأنه فصل بين أمرين بما أخرجه عن العادة، أحرم ثم تحلل ثم أحرم.

إذن كل عالم له ملحظ، فكأن الله لا يريد أن يضيق على خلقه في أداء نسك على أي لون من الألوان. وقد احتاط المشرع سبحانه وتعالى عند التكليف، واحترم كل الظروف سواء كانت الظروف التي قد تقع من غير غريم وهو القدريات، أو تقع من غريم، وهي التي لها أسباب أخرى فقال: ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ﴾ [البقرة: 196]. وأحصرتم تعني منعتم. وهناك " حصر " وهي للقدريات، وهناك " أحصر " وتكون بفعل فاعل مثل تدخل العدو كما حوصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الحديبية، وقيل له لا تدخل مكة هذا العام، لذلك فالحق سبحانه وتعالى يخفف عنا وكأنه يقول لنا: أنا لا أهدر تهيؤ العباد، ولا نيتهم ولا استعدادهم ولا إحرامهم فإن أحصروا ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ [البقرة: 196] والهدي هو ما يتم ذبحه تقربا إلى الله، وكفارة عما حدث. ثم يقول بعد ذلك: ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ [البقرة: 196] أي إلى أن يبلغ المكان المخصص لذلك، هذا إن كنت سائق الهدى، أما إن لم تكن سائق الهدى فليس ضروريا أن تذبحه، ويكفي أن تكلف أحدا يذبحه لك، وقوله الحق: ﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ﴾ [البقرة: 196] تعني أنه يصح أن يذبح الإنسان الهدي قبل عرفة، ويصح أن نؤخره ليوم النحر، ويصح أن يذبحه بعد ذلك كله. ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ [البقرة: 196] تعني أيضا إن كان الحصول على الهدي سهلا، سواء لسهولة دفع ثمنه، أو لسهولة شرائه، فقد توجد الأثمان ولا يوجد المثمن. " والهدي " هو ما يهدى للحرم، أو ما يهدي الإنسان إلى طريق الرشاد، والمعنى مأخوذ من الهدى، وهو الغاية الموصلة للمطلوب. وقوله تعالى: ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية ﴾ [البقرة: 196] فالمريض الذي لا يستطيع أن يذبح الهدي وعنده أذى من رأسه

" كالصحابي الذي كان في رأسه قمل، وكان يسبب له ألما، فقال له رسول الله: " احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو أنسك بشاة ".

إنها تشريعات متعاقبة وكل تشريع له مناسبة، فكما شرع لمن أحصر ما استيسر من الهدى، كذلك شرع لمن حلق رأسه لمرض أن كان به أذى من رأسه، شرع له ثلاثة أشياء: صيام أو صدقة أو نسك. والمتأمل لهذه الأشياء الثلاثة يجد أنها مرتبة ترتيبا تصاعديا فالصيام هو أمر لا يتعدى النفع المباشر فيه إلى الغير، والصدقة عبادة يتعدى النفع فيها للغير، ولكن بقدر محدود لأنها إطعام ستة أفراد مثلا، والنسك هو ذبيحة، ولحمها ينتفع به جمع كبير من الناس.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣١