تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا

[الشورى: 52]. وتأتي بمعنى التثبيت والقوة، كما في قوله تعالى:

أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه..

[المجادلة: 22]. وأطلقت الروح على عيسى ابن مريم - عليه السلام - في قوله تعالى:

إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه..

[النساء: 171]. إذن: لهذه الكلمة إطلاقات متعددة، فما العلاقة بينها؟ قالوا: الروح التي بها حركة الحياة إذا وجدت في الإنسان تعطي مادية الحياة، ومادية الحياة شيء، وقيم الحياة شيء آخر، فإذا ما جاءك شيء يعدل لك قيم الحياة فهل تسميه روحا؟ لا، بل هو روح الروح لأن الروح الأولى قصاراها الدنيا، لكن روح المنهج النازل من السماء فخالدة في الآخرة، فأيهما حياته أطول؟ لذلك فالحق سبحانه ينبهنا: إياك أن تظن أن الحياة هي حياتك أنت وكونك تحس وتتحرك وتعيش طالما فيك روح، لا بل هناك روح أخرى أعظم في دار أخرى أبقى وأدوم:

وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون

[العنكبوت: 64]. لأن الروح التي تعيش بها في الدنيا عرضة لأن تؤخذ منك، وتسلب في أي مرحلة من مراحل حياتك منذ وجودك جنينا في بطن أمك، إلى أن تصير شيخا طاعنا في السن.. أما روح الآخرة، وهي روح القيم وروح المنهج، فهي الروح الأقوى والأبقى لأنها لا يعتريها الموت. إذن: سمي القرآن، وسمي الملك النازل به روحا لأنه سيعطيني حياة أطول هي حياة القيم في الآخرة. وهنا يقول تعالى: ﴿ قل الروح من أمر ربي.. ﴾ [الإسراء: 85]. أي: أن هذا من خصوصياته هو سبحانه، وطالما هي من خصوصياته هو سبحانه، فلن يطلع أحدا على سرها. وهل هي جوهر يدخل الجسم فيحيا ويسلب منه فيموت، أم هي مراد بكن من الخالق سبحانه، فإن قال لها كن تحيا، وإن قال مت تموت؟ إن علم الإنسان سيظل قاصرا عن إدراك هذه الحقيقة، وسيظل بينهما مسافات طويلة لذلك قال تعالى بعدها: ﴿ ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾ [الإسراء: 85]. وهل عرف العقل البشري كل شيء حتى يبحث في أسرار الروح؟! ولما تعرض أحد رجال الصوفية للنقد، واعترض عليه أحد الأشخاص فقال له الصوفي: وهل أحطت علما بكل شيء في الكون؟ قال الرجل: لا، قال: فأنا من الذي لا تعلم. والحق سبحانه وتعالى حينما يعطينا فكرة عن الأشياء لا يعطينا بحقائق ذاتها وتكوينها لأن أذهاننا قد لا تتسع لفهمها، وإنما يعطينا بالفائدة منها. فحين حدثنا عن الأهلة قال:

قل هي مواقيت للناس والحج..

[البقرة: 189]. وهذه هي الفائدة التي تعود علينا والتي تهمنا من الأهلة، أما حركتها ومنازلها والمراحل التي تمر بها الأهلة فأمور لا يضر الجهل بها ذلك لأن الاستفادة بالشيء ليست فرعا لفهم حقيقته، فالرجل الأمي في ريفنا يقتني الآن التلفاز وربما الفيديو، ويستطيع استعمالهما وتحويل قنواتهما وضبطهما، ومع ذلك فهو لا يعرف كيف تعمل هذه الأجهزة؟ وكيف تستقبل؟ إذن: الاستفادة بالشيء لا تحتاج معرفة كل شيء عنها، فيكفيك - إذن - أن تستفيد بها دون أن تدخل نفسك في متاهات البحث عن حقيقتها.

والحق سبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى:

ولا تقف ما ليس لك به علم..

[الإسراء: 36] لأن الخالق سبحانه يريد للإنسان أن يوفر طاقاته الفكرية ليستخدمها فيما يجدي، وألا يتعب نفسه ويجهدها في علم لا ينفع، وجهل لا يضر. فعلى المسلم بدل أن يشغل تفكيره في مثل مسألة الروح هذه، أن ينشغل بعمل ذي فائدة له ولمجتمعه. وأي فائدة تعود عليك إن توصلت إلى سر من أسرار الروح؟ وأي ضرر سيقع عليك إذا لم تعرف عنها شيئا؟ إذن: مناط الأشياء أن تفهم لماذا وجدت لك، وما فائدتها التي تعود عليك. والحق سبحانه حينما قال: ﴿ ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾ [الإسراء: 85] كان يخاطب بها المعاصرين لرسول الله منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام، وما زال يخاطبنا ويخاطب من بعدنا، وإلى أن تقوم الساعة بهذه الآية مع ما توصلت إليه البشرية من علم، وكأنه سبحانه يقول: يا ابن آدم، الزم غرزك، فإن وقفت على سر فقد غابت عنك أسرار. وقد أوضح الحق سبحانه لنا هذه المسألة في قوله:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣١٩