تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا قول خاطئ وبعيد عن الصواب، لأن هناك فرقا بين سنية الدليل وسنية الحكم، فسنية الدليل أن يكون الأمر فرضا، لكن دليله من السنة كهذه المسألة التي معنا. وكصلاة المغرب مثلا ثلاث ركعات وهي فرض لكن دليلها من السنة، أما سنية الحكم فيكون الحكم نفسه سنة يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه كالتسبيح ثلاثا في الركوع مثلا. إذن: فرجم الزاني المحصن فرض، لكن دليله من السنة، فالسنية هنا سنية دليل، لا سنية حكم. فمن يقول: إن الرجم لم يرد به نص في كتاب الله، نقول: الدليل عليه جاء في السنة، وهي المصدر الثاني للتشريع، حتى على قول من قال بأن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع، ففي القرآن:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. إذن: ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم كنص القرآن سواء بسواء، وهل رجم في عهد رسول الله أو لم يرجم؟ رجم فعلا في عهد رسول الله، فإن قال قائل: فهذا ليس نصا في الرجم. نقول: بل الفعل أقوى من النص لأن النص قد تتأول فيه، أما الفعل فهو صريح لا يحتمل تأويلا. ودليل آخر على فرضية الرجم، وهو الشاهد في هذه الآية، في قوله تعالى عن إقامة الحد على الأمة:

فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب..

[النساء: 25]. فيقولون: الرجم لا ينصف. إذن: ليس هناك رجم. نقول: أنتم لم تفرقوا بين الرجم وبين العذاب، فالرجم إماتة، والعذاب إيلام لحي يشعر ويحس بهذا الإيلام، والمقصود به الجلد. إذن:

فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب..

[النساء: 25] أي: من الجلد، وهو الذي ينصف، ولو كان الحكم عاما لقال: فعليهن نصف ما على المحصنات. فقوله:

من العذاب..

[النساء: 25] دليل على وجود الرجم الذي لا فرق فيه بين حرة وأمة. وكذلك نلحظ التدرج من العذاب إلى الإهلاك في قول سليمان - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - حينما تفقد الطير، واكتشف غياب الهدهد:

لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه..

[النمل: 21]. ولسائل أن يسأل: هل لا بد للقرى الظالمة أن ينالها الإهلاك أو العذاب قبل يوم القيامة؟ نعم لا بد أن يمسهم شيء من هذا لأن الله تعالى لو أخر كل العذاب لهؤلاء إلى يوم القيامة لاستشرى الظلم وعم الفساد في الكون، وحين يرى الناس الظالم يرتع في الحياة، وينعم بها مع ظلمه لأغراهم ذلك بالظلم، أما إذا رأوه وقد حاق به سوء عمله، ونزلت به النوازل لارتدعوا عن الظلم، ولعلموا أن عاقبته وخيمة، ولن يفلت الظالم من عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة.

أما لو تأخر عذاب الظالمين إلى الآخرة، فالويل ممن لا يؤمنون بها. لذلك لما مات رأس من رؤوس الظلم في الشام، ولم ير الناس عليه أثرا لعذاب أو نقمة، قال أحدهم: إن وراء هذه الدار دارا يجازى فيها المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته لأنه يستحيل أن يفلت الظالم من العذاب. وفي مناقشتي مع الشيوعيين في بروكسل قلت لهم: لقد قسوتم على المخالفين لكم من الرأسماليين والإقطاعيين عام 1917 وما بعدها، فقالوا: إنهم يستحقون أكثر من ذلك، فقد فعلوا كذا وكذا، قلت: منذ متى؟ قالوا: طوال عمرهم وهم يفعلون ذلك، فقلت: إذا كنتم أخذتم المعاصرين لكم بذنوبهم، فما بال الذين سبقوهم؟ وما حظهم من العقاب الذي أنزلتموه بإخوانهم؟ قالوا: ما أدركناهم. قلت: إذن كان من الواجب عليكم أن تؤمنوا باليوم الآخر، حيث سيعذب فيه هؤلاء، فإن أفلتوا من عذاب الدنيا جاءت الآخرة لتصفي معهم الحساب، كما يقول تعالى:

وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك..

[الطور: 47] وأريد منكم أن تطلعوا على تفسير هذه الآية التي نحن بصددها: ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ﴾ [الإسراء: 58]. راجعوا تفسيرها في كتاب النسفي، وسوف تجدون به أمثلة تؤيد هذه الآية، يقول: قرية كذا سيحدث لها كذا، وقرية كذا سيحدث لها كذا. وقد جاء الواقع على وفق ما قال، إلى أن ذكر مصر وقال عنها كلاما طويلا أظن أنه يمثل ما أصاب مصر منذ سنة 1952، وكان مما قال عنها: ويدخل مصر رجل من جهينة فويل لأهلها، وويل لأهل الشام، وويل لأهل أفريقيا، وويل لأهل الرملة، ولا يدخل بيت المقدس. اقرأوا هذا الكلام عند النسفي. ثم يقول تعالى: ﴿ كان ذلك في الكتاب مسطورا ﴾ [الإسراء: 58]. أي: مسجل ومسطر في اللوح المحفوظ، ولا يقول الحق سبحانه: ﴿ كان ذلك في الكتاب مسطورا ﴾ [الإسراء: 58] وتأتي الأحداث بغير ذلك، بل لا بد أن يؤكد هذه الحقائق القرآنية بأحداث كونية واقعية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٨٧