تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الأعراف: 172-173]. فأوضح لنا الحق سبحانه أن الإنسان يتخبط أو ينحرف عن المنهج، إما بسبب غفلة، أو بسبب تقليد أعمى لأسوة سيئة، فأول من تلقى عن الله آدم، ثم بلغ ذريته منهج الله، وبمرور الأجيال حدثت الغفلة عن بعض المنهج نتيجة ما ركب في الإنسان من حب للشهوات، وهذه الشهوات هي التي تصرفه عن منهج ربه، فإن حدثت غفلة في جيل فإنها سوف تزداد في الجيل التالي، وهكذا لأن الجيل سيقع تحت مؤثرين: الغفلة الذاتية فيه، والتأسي بالجيل السابق. إذن: بتوالي الأجيال وازدياد الغفلة عن المنهج لا بد أن الحق سبحانه سيبعث في مواكب الرسل من ينبه الناس. ومن هنا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس:

كنتم خير أمة أخرجت للناس..

[آل عمران: 110] لماذا؟

تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..

[آل عمران: 110] فخيرية هذه الأمة ناشئة من حمل رسالة الدعوة، وقد كرم الله أمة محمد بأن جعل كل من آمن به يحمل دعوته إلى يوم القيامة، لقد بلغ الرسول من عاصروه من أمته، وعلى أمته أن تبلغ من بعده لذلك يشهد علينا رسول الله، ونشهد نحن على الناس. وفي الحديث الشريف

" نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ".

وهكذا تظل في الأمة هذه الخيرية وتحمل دعوة رسولها حيث لا رسول من بعده إلى يوم القيامة، ولأهمية هذا الدور الذي يقوم به المسلمون في كل زمان ومكان ينبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسألة هامة في مجال حمل الدعوة ونشرها، فيقول:

" إن كل واحد منكم يقف على ثغرة من ثغرات هذا الدين، فإياكم أن يؤتى الدين من ثغرة أحدكم "

أو كما قال. فليعلم كل مسلم أنه محسوب للدين أو عليه، فالعيون تتطلع إليه وترصد تصرفاته في مجتمعه، فهو صورة للدين وسفير له، وعليه أن يراعي هذه المسئولية ويقوم بها على أكمل وجه ليكون أداة جذب، وليكون وجها مشرقا لتعاليم هذا الدين. فأنت حارس على باب من الأبواب، وعليك أن تسده بصدق انطباعك عن الإيمان، وبصدق انقيادك لقضايا الإسلام، وبهذا السلوك تكون وسيلة إغراء للآخرين الذين يراودهم الإيمان، ويتراءى لهم منهج الله من بعيد. ويحلو للبعض أن يأخذوا الإسلام بجريرة أهله، ويحكموا عليه بناء على تصرفات المنتسبين إليه، وهذا خطأ، فمن أراد الصورة الحقيقية للإسلام فليأخذها من منابع الدين في كتاب الله وسنة رسوله، فإن رأيت بين المنتسبين للإسلام سارقا فلا تقل: هذا هو الإسلام لأن الإسلام حرم السرقة، وجعل لها عقوبة وحدا يقام على السارق، وليس لأحد أن يكون حجة على دين الله. لذلك فإن كبار العلماء والمفكرين الذين درسوا في الدين الإسلامي لم ينظروا إلى تصرفات المسلمين وحاضرهم، بل أخذوه من منابعه الأصلية. ومنهم " جينو " الفرنسي الذي قال: الحمد لله الذي هداني للإسلام قبل أن أعرف المسلمين. لأنه في الحقيقة لو اطلع على أحوالنا الآن لكان في المسألة كلام آخر. إذن: الذين نظروا إلى قضايا الإسلام نظرة عدل وإنصاف لا بد أن يهتدوا إلى الإسلام، لكن منهم من نظر إليه نظرة عدل وإنصاف إلا أنهم أبعدوا قضية التدين من قلوبهم، وإن اقتنعت بها عقولهم، وفرق كبير بين القضية العقلية والقضية القلبية. ومن هؤلاء الكاتب الذي ألف كتابا عن العظماء في التاريخ وأسماه: " العظماء مائة أعظمهم محمد بن عبد الله " وهو كاتب غير مؤمن، لكنه أخذ يستقرئ صفحة التاريخ، ويسجل أصحاب الأعمال الجلية التي أثرت في تاريخ البشرية، فوجدهم مائة، وبالمقارنة بينهم وجد أن أعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يترب محمد في مدرسة، ولم يتخرج في جامعة، ولم يجلس إلى معلم. ألم تسأل نفسك أيها المؤلف: من أين أتى محمد بهذه الأولية؟ ولماذا استحق أن يكون في المقدمة؟ لقد ذكرت حيثيات النبوغ في جميع شخصياتك، من تربية ودراسة في جامعات وعلى أساتذة وإطلاع وأبحاث، فلماذا لم تذكر حيثيات النبوغ في رسول الله؟ ألم تعلم أنه أمي في أمة أمية؟ مما يدل على أن هذا الباحث تناول هذه القضية بعقله لا بقلبه. نعود إلى مسألة الإهلاك والعذاب لأنها أثارت خلافا بين رجال القانون في موضوع إقامة حد الرجم على الزاني المحصن والجلد للزاني غير المحصن، فقد رأى جماعة منهم أن الجلد ثابت بالقرآن، أما الرجم فثابت بالسنة، لذلك قال بعضهم بأن رجم الزاني المحصن سنة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٨٦