[الأعراف: 200]. فإن كنت منتبها له، عارفا بحيله فذكرت الله عند نخسه ونزغه انصرف عنك، وذهب إلى غيرك لذلك يقول تعالى عن الشيطان:
من شر الوسواس الخناس
[الناس: 4] أي: الذي يخنس ويختفي إذا ذكر الله، لكن إذا رأى منك ضعفا وغفلة ومرت عليك حيلة، واستجبت لوساوسه، فقد أصبحت فريسة سهلة بين أنيابه ومخالبه. وعادة تأتي خواطر الشيطان وكأنها مجس للمؤمن واختبار لانتباهه وحذره من هذا العدو، فينزغه الشيطان مرة بعد أخرى ليجربه ويختبره. فإذا كان النزغ هكذا، فأنت حين تجادل بالتي هي أحسن لا تعطي للشيطان فرصة لأن يؤجج العداوة الشخصية بينكما، فيزين لك شتمه أو لعنه، وهكذا يتحول الخلاف في المبدأ العام إلى عداوة ذاتية شخصية. لذلك إذا رأيت شخصين يتنازعان لا صلة لك بهما، ولكن ضايقك هذا النزاع، فما عليك إلا أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثا، وأتحدى أن يستمر النزاع بعدها، إنها الماء البارد الذي يطفئ نار الغضب، ويطرد الشيطان فتهدأ النفوس، وما أشبهك في هذا الموقف برجل الإطفاء الذي يسارع إلى إخماد الحريق، وخصوصا إذا قلت هذه العبارة بنية صادقة في الإصلاح، وليس لك مأرب من هذا التدخل. والحق سبحانه يقول: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم.. ﴾ [الإسراء: 53]. تلاحظ أن نزغ الشيطان لا يقتصر على المتخاصمين والمتجادلين حول مبدأ ديني عقدي، بل ينزغ بين الإخوة والأهل والأحبة، ألم يقل يوسف:
من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي..
[يوسف: 100].
لقد دخل الشيطان بين أولاد النبوة، وزرع الخلاف حتى بين الأسباط وفيهم رائحة النبوة، ولذلك لم يتصاعد فيهم الشر، وهذا دليل على خيريتهم، وأنت تستطيع أن تميز بين الخير والشرير، فتجد الخير يهدد بلسانه بأعنف الأشياء، ثم يتضاءل إلى أهون الأشياء، على عكس الشرير تراه يهدد بأهون الأشياء، ثم يتصاعد إلى أعنف ما يكون. انظر إلى قول إخوة يوسف:
اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا..
[يوسف: 9] فقال الآخر وكان أميل إلى الرفق به:
وألقوه في غيبت الجب..
[يوسف: 10] وقد اقترح هذا الاقتراح وفي نيته النجاة لأخيه، بدليل قوله تعالى:
يلتقطه بعض السيارة..
[يوسف: 10] وهكذا تضاءل الشر في نفوسهم. ثم يقول تعالى: ﴿ إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ﴾ [الإسراء: 53]. أي: أن عداوة الشيطان لكم قديمة منذ أبيكم آدم - عليه السلام - فهي عداوة مسبقة، قال عنها الحق سبحانه:
إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
[طه: 117]. لذلك يجب على الأب كما يعلم ابنه علوم الحياة ووسائلها أن يعلمه قصة العداوة الأولى بين الشيطان وآدم - عليه السلام - ويعلمه أن خواطر الخير من الله وخواطر الشر من الشيطان، فليكن على حذر من خواطره ووساوسه، وبذلك يربي في ابنه مناعة إيمانية، فيحذر كيد الشيطان ونزغه، ويعلم أن كل أمر يخالف أوامر الشرع فهو من الشيطان، وهذه التربية من الآباء تحتاج إلى إلحاح بها على الأبناء حتى ترسخ في أذهانهم. فقوله تعالى: ﴿ إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ﴾ [الإسراء: 53] أي: كان ولا يزال. وإلى يوم القيامة بدليل قوله:
لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا
[الإسراء: 62]. أي: لأتعهدنهم بالإضلال والغواية إلى يوم القيامة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم... ﴾.