تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا..

[محمد: 16] فيأتي الرد عليهم:

أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم

[محمد: 16]. وفي آية أخرى يقول سبحانه:

ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءاعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى..

[فصلت: 44]. فالقرآن واحد، ولكن المستقبل مختلف، إذن: فإياك أن تلوم من يريد أن يلوي الناس إلى طريق الضلال، بل دعه في ضلاله، ورب في الآخرين مناعة حتى لا يتأثروا ولا يستجيبوا له. بعد أن تكلمنا عن موقف الكفار من الألوهية ومن النبوة نتكلم من موقفهم من المنهج الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا المنهج يتضمن قضايا كثيرة وأمورا متعددة، لكن أم هذا المنهج وأساسه أن نؤمن بالآخرة، وما دمنا نؤمن بالآخرة فسوف تنسجم حركتنا في الحياة. فالإيمان بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب هو الحافز لنا على العمل والاستقامة في الدنيا، وما أشبه ذلك بالتلميذ الذي يجتهد ويجد لأنه يؤمن بالامتحان آخر العام، وما ينتج عنه من توفيق أو إخفاق. غبي من يظن أن الدنيا هي نهاية المطاف، وأنها الغاية التي ليس بعدها غاية لأن الجميع عبيد لله تعالى متساوون، ومع ذلك نرى من يموت في بطن أمه، ومن يموت بعد عدة شهور، وآخر بعد عدة أعوام، فلو أن الدنيا هي الغاية لاستوى الجميع في المكث فيها، فاختلاف الأعمار في الدنيا دليل على أنها ليست غاية.

وعجيب في أمر الموت أن نرى الناس يحزنون كثيرا على من مات صغيرا ويقولون: أخذ في شبابه ويكثرون عليه العويل، لماذا؟ يقولون: لأنه لم يتمتع بالدنيا، سبحان الله أي دنيا هذه التي تتحدثون عنها، وقد اختاره الله قبل أن تلوثه آثامها وتلطخه ذنوبها، لماذا تحزنون كل هذا الحزن ولو رأيتم ما هو فيه لحسدتموه عليه؟ والناس كثيرا ما يخطئون في تقدير الغايات لأن كل حدث يحدثه الإنسان له غاية من هذا الحدث، هذه الغاية مرحلية وليست نهائية، فالغاية النهائية والحقيقية ما ليس بعدها غاية أخرى، فالتلميذ يذاكر بالمرحلة الابتدائية لينتقل إلى المرحلة الإعدادية، ويذاكر الإعدادية لينتقل إلى الثانوية. وهكذا تتوالى الغايات في الدنيا إلى أن يصل إلى غاية الدنيا الأخيرة، وهي أن يبني بيتا ويتزوج ويعيش حياة سعيدة يرتاح فيها بما تحت يديه من خدم، يقضون له ما يريد، هذا على فرض أنه سيعيش حتى يكمل هذه المراحل، ولكن ربما مات قبل أن يصل إلى هذه الغاية. إذن: فلا بد للإنسان أن يتعب أولا، ويبذل المجهود ليصبح مخدوما، وهذه المخدومية تتناسب مع مجهودك الأول، فمن اكتفى بالإعدادية مثلا ليس كمن تخرج من الجامعة، فلكل مرتبته ومكانته لأنك تعيش في الدنيا بالأسباب وعلى قدر ما تعطي تأخذ. إذن: فغايتك في الدنيا أن تكون مخدوما، مع أن خادمك قد يتمرد عليك وقد يتركك، أما غاية الآخرة فسوف توفر عليك هذا كله، وليس لأحد علاقة بك إلا ذاتك أنت، فبمجرد أن يخطر الشيء على بالك تجده أمامك ذلك لأنك في الدنيا تعيش بالأسباب، وفي الآخرة تعيش بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى. وكذلك لو أجريت مقارنة اقتصادية بين متعة الدنيا ومتعة الآخرة لرجحت كفة الآخرة لأن الدنيا بالنسبة لك هي عمرك فيها فقط، وليس عمر الدنيا كله، كما يحلو للبعض أن يحدد عمر الدنيا بعدة ملايين من السنين، فما دخلك أنت بكل هذه الملايين؟! فالدنيا - إذن - هي عمري فيها، وهذا العمر مظنون غير متيقن، وعلى فرض أنه متيقن فهو خاضع لمتوسط الأعمار، وسوف ينتهي حتما بالموت. أضف إلى ذلك أن نعيمك في الدنيا على قدر سعيك وأخذك بأسبابها. أما الآخرة فهي باقية لا نهاية لها، فلا يعتريها زوال ولا ينهيها الموت، كما أن مدتها متيقنة وليست مظنونة، ونعيمك فيها ليس على قدر إمكانياتك، ولكن على قدر إمكانيات خالقك سبحانه وتعالى. فأيهما أحسن؟ وأيهما أولى بالسعي والعمل؟ ويكفي أنك في الدنيا مهما توفر لك من النعيم، وإن كنت في قمة النعيم بين أهلها فإنه ينغص عليك هذا النعيم أمران: فأنت تخاف أن تفوت هذا النعيم بالموت، وتخاف أن يفوتك هو بالفقر، فهي نعمة مكدرة، أما في الآخرة فلا تخاف أن تفوتها، ولا أن تفوتك، فأي الصفقتين أربح إذن؟ ثم يقول الحق سبحانه عن إنكارهم للبعث بعد الموت: ﴿ وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٧٢