تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء..

[الأنفال: 32]. ومنهم من قال:

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31]. فلم يستطيعوا إيجاد سبيل يعوقون به دعوتك، بدليل أنه رغم ضعف الدعوة في بدايتها، ورغم اضطهادهم لها تراها تزداد يوما بعد يوم، وتتسع رقعة الإيمان، أما كيدهم وتدبيرهم فيتجمد أو يقل. كما في قوله تعالى:

أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها..

[الرعد: 41]. فكل يوم تزداد أرض الإيمان، وتقل أرض الكفر. والحق سبحانه وتعالى في قضية استماع القرآن وقولهم: قلوبنا في أكنة، وقلوبنا غلف يريد أن يلفت أنظارنا إلى قضية هامة في الوجود ومنتظمة في كل الكائنات، وهي أن الأفعال تقتضي فاعلا للحدث وقابلا لفعل الحدث، ومثال ذلك: الفلاح الذي يقلب التربة بفأسه، فتقبل التربة منه هذا الفعل، وتنفعل هي معه، فتعطيه ما ينتظره من محصول.

. أما لو فعل هذا الفعل في صخرة فلن تقبل منه هذا الفعل. إذن: فثمرة الحدث تتوقف على طرفين: فاعل، وقابل للفعل. لذلك أتعجب من هؤلاء الذين يقولون: إن الغرب يفتن المسلمين عن دينهم، ويأتي إلينا بالمغريات وأسباب الانحراف، ويصدر إلينا المبادئ الهدامة ويشككنا في ديننا.. الخ. ونقول لهؤلاء: ما يضركم أنتم إن فعل هو ولم تقبلوا أنتم منه هذا الفعل؟! دعوه يفعل ما يريد، المهم ألا نقبل وألا نتفاعل مع مقولاته ومبادئه. فالخيبة ليست في فعل الغرب بنا، ولكن في تقبلنا نحن ولهثنا وراء كل ما يأتينا من ناحيته، وما ذلك إلا لقلة الخميرة الإيمانية في نفوسنا، فالغرب يريد أن يثبت نفوذه، ويثبت مبادئه، وما عليك إلا أن تتأبى على قبول مثل هذه الضلالات. وعلى نظرية الفاعل والقابل هذه تبنى الحضارات في العالم كله لأن الخالق سبحانه حينما استدعانا إلى الوجود جعل لنا فيه مقومات الحياة الأساسية من: شمس، وقمر، ونجوم، وأرض، وسماء، وماء، وهواء. ومن هذه المقومات ما يعطيك ويخدمك دون أن تتفاعل معه أو تطلب منه، كالشمس والماء والهواء، ومنها ما لا يعطيك إلا إذا تفاعلت معه مثل الأرض لا تعطيك إلا إذا تعهدتها بالحرث والسقي والبذر. والمتأمل في الكون يجد أن جميع ارتقاءات البشر من هذا النوع الثاني الذي لا يعطيك إلا إذا تفاعلت معه، وقد ترتقي الطموحات البشرية إلى أن تجعل من النوع الأول الذي يعطيك دون أن تتفاعل معه ومن غير سلطان لك عليه، تجعل منه منفعلا بعملك فيه، كما يحدث الآن في استعمال الطاقة الشمسية في مجالات جديدة لم تكن من قبل. إذن: فهذه ارتقاءات لا يحرم منها من أخذ بالأسباب وسعى إلى الرقي والتقدم. إذن: إن جاء يشكك في دينك ندعه، وما يقول فليس بملوم، إنما الملوم أنت إن قبلت منه ولذلك يجب علينا وعلى كل قائم على تربية النشء أن نحصن أولادنا ضد هجمات الإلحاد والتنصير والتغريب، ونعلمهم من أساسيات الدين ما يمكنهم من الدفاع والرد بالحجة والإقناع حتى لا يقعوا فريسة سهلة في أيدي هؤلاء. وهذه هي المناعة المطلوبة وما أشبهها بما نستخدمه في الماديات من التطعيم ضد المرض، حتى إذا طرأ على الجسم لا يؤثر فيه. ألا ترى الحق سبحانه في قرآنه الكريم يعرض لشبه الكافرين والملاحدة ويفصلها ويناقشها، ثم يبين زيفها، فيقول:

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا

[الكهف: 5]. فلماذا يعرضها القرآن، هل لنأخذ بها ونتعلمها؟ لا بل لكي لا نفاجأ بها، فإذا أتت يكون لدينا المناعة الكافية ضدها، ولكي تتربى فينا الحصانة المانعة من الانزلاق أو الانحراف.

إذن: فأصول الحياة فاعل وقابل، وسبق أن ضربنا مثلا فقلنا: في الشتاء ينفخ الإنسان في يده ليدفئها، وكذلك ينفخ في كوب الشاي ليبرده، فالفعل واحد ولكن القابل مختلف. وكذلك حال الناس في سماع القرآن واستقبال كلمات الله، فقد استقبله أحد الكفار في حال هدوء وانسجام، فقال: " والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه يعلو ولا يعلى عليه " لقد استمعه بملكة العربي الشغوف بكل ما هو جميل من القول، لا بملكة العناد والكبر والغطرسة. وكذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - له حالان في سماع القرآن: حال كفر وشدة وغلظة عند سماع القرآن، وحال إيمان ورقة قلب حينما بلغه نبأ إسلام أخته، فأسرع إليها وهي تقرأ القرآن، فصفعها بقسوة حتى أدمى وجهها، فأخذته عاطفة الرحم، وتغلبت على عاطفة الكفر عنده، فلما سمع القرآن بهذه العاطفة الحانية تأثر به، فآمن من فوره لأن القرآن صادف منه قلبا صافيا، فلا بد أن يؤثر فيه. فالمسألة - إذن - تحتاج أن يكون لدى القابل استعداد لتقبل الشيء والانفعال به. وقد لخص لنا الحق سبحانه هذه القضية في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٧١