تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم..

[الأنعام: 151]. ونقول لهؤلاء: لقد استقبلتم الأسلوب القرآني بغير الملكة العربية في فهمه، فأسلوب القرآن ليس صناعة جامدة، بل هو أسلوب بليغ يحتاج في فهمه وتدبره إلى ذوق وحس لغوي. وإذا استقبلتم كلام الله استقبالا سليما فلن تجدوا فيه تعارضا ولا تكرارا، فليست الأولى أبلغ من الثانية، ولا الثانية أبلغ من الأولى، بل كل آية بليغة في موضوعها لأن الآيتين وإن تشابهتا في النظرة العجلى لكن بينهما فرق في المعنى كبير، فآية الإسراء تقول: ﴿ نحن نرزقهم وإياكم.. ﴾ [الإسراء: 31]. وقد أوضحنا الحكمة من هذا الترتيب: نرزقهم وإياكم. أما في آية الأنعام:

نحن نرزقكم وإياهم..

[الأنعام: 151]. فلا بد أن نلاحظ أن للآية صدرا وعجزا، ولا يصح أن تفهم أحدهما دون الآخر، بل لا بد أن تجمع في فهم الآية بين صدرها وعجزها، وسوف يستقيم لك المعنى ويخرجك من أي إشكال. وما حدث من هؤلاء أنهم نظروا إلى عجزي الآيتين، وأغفلوا صدريهما، ولو كان الصدر واحدا في الآيتين لكان لهم حق فيما ذهبوا إليه، ولكن صدري الآيتين مختلفان: الأولى: { خشية إملاق.

. } [الإسراء: 31]. والأخرى:

من إملاق..

[الأنعام: 151]. والفرق واضح بين التعبيرين: فالأول: الفقر غير موجود لأن الخشية من الشيء دليل أنه لم يحدث، ولكنه متوقع في المستقبل، وصاحبه ليس مشغولا برزقه هو، بل برزق من يأتي من أولاده. أما التعبير الثاني:

من إملاق..

[الأنعام: 151]. فالفقر موجود وحاصل فعلا، والإنسان هنا مشغول برزقه هو لا برزق المستقبل، فناسب هنا أن يقدم الآباء في الرزق عن الأبناء. وما دام الصدر مختلفا، فلا بد أن يختلف العجز، فأين التعارض إذن؟ وهناك ملحظ آخر في الآية الكريمة، وهو أن النهي مخاطب به الجمع: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم.. ﴾ [الإسراء: 31]. فالفاعل جمع، والمفعول به جمع، وسبق أن قلنا: إن الجمع إذا قوبل بالجمع تقتضي القسمة آحادا، فالمعنى: لا يقتل كل واحد منكم ولده. كما يقول المعلم للتلاميذ: أخرجوا كتبكم، والمقصود أن يخرج كل تلميذ كتابه. فإن قال قائل: إن الآية تنهى أن يقتل الأب ولده خوفا من الفقر، لكنها لا تمنع أن يقتل الأب ولد غيره مجاملة له، وهو الآخر يقتل ولد غيره مجاملة له. نقول: لا.. لأن معنى الآية ألا يقتل كل الآباء كل الأولاد، فينسحب المعنى على أولادي وأولاد غيري، وهذا هو المراد بمقابلة الجمع بالجمع. أما لو قلنا: إن المعنى: تجاملني وتقتل لي ابني، وأجاملك وأقتل لك ابنك، فهذا لا يستقيم لأن المقابلة هنا ليست مقابلة جمع بجمع. وقوله تعالى: ﴿ إن قتلهم كان خطئا كبيرا ﴾ [الإسراء: 31]. خطئا مثل خطأ، وهو الإثم والذنب العظيم. وتأتي بالكسر وبالفتح كما نقول: خذوا حذركم، وخذوا حذركم. وكلمة: ﴿ خطئا.. ﴾ [الإسراء: 31]. الخاء والطاء والهمزة تدل على عدم موافقة الصواب، لكن مرة يكون عدم موافقة الصواب لأنك لم تعرف الصواب، ومرة أخرى لم توافق الصواب لأنك عرفت الصواب، ولكنك تجاوزته. فالمعلم حينما يصوب للتلاميذ أخطاءهم أثناء العام الدراسي نجده يوضح للتلميذ ما أخطأ فيه، ثم يصوب له هذا الخطأ، وهو لم يفعل ذلك إلا بعد أن أعلم تلميذه بالقاعدة التي يسير عليها، ولكن التلميذ قد يغفل عن هذه القاعدة فيقع في الخطأ. وهنا لا مانع أن نصوب له خطأه ونرشده لأنه ما يزال في زمن الدرس والتعلم والترويض والتدريب. لكن الأمر يختلف إن كانت هذه الأسئلة في امتحان آخر العام، فالمعلم يبين الخطأ، ولكنه لا يصححه، بل يقدره بالدرجات التي تحسب على التلميذ، وتنتهي المسألة بالنجاح لمن أصاب، وبالفشل لمن أخطأ لأن آخر العام أصبح لديه قواعد ملزمة، عليه أن يسير عليها. وكلمة خطئا أو خطأ مأخوذة من خطا خطوة، وتعني الانتقال بالحركة، فإذا كان الصواب هو الشيء الثابت الذي استقر عليه وتعارف الناس عليه، ثم تجاوزته وانتقلت عنه إلى غيره، فهذا هو الخطأ أي: الخطوة التي جعلتك تتجاوز الصواب.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٤٠