تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون

[الزخرف: 32]. فكل منا مسخر لخدمة الآخرين فيما فضل فيه، وفيما نبغ فيه. وصدق الشاعر حين قال:

الناس للناس من بدو ومن حضر

بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

إذن: في التفاضل يجب أن ننظر إلى زوايا الإنسان المختلفة لأن الجميع أمام الله سواء، ليس منا من هو ابن الله، وليس منا من بينه وبين الله نسب أو قرابة، ولا تجمعنا به سبحانه إلا صلة العبودية له عز وجل، فالجميع أمام عطائه سواء، لا يوجد أحد أولى من أحد. فالعاقل حين ينظر في الحياة لا ينظر إلى تميزه عن غيره كموهبة، بل يأخذ في اعتباره مواهب الآخرين، وأنه محتاج إليها، وبذلك يندك غروره، ويعرف مدى حاجته لغيره. وكما أنه نابغ في مجال من المجالات، فغيره نابغ في مجال آخر لأن النبوغ يأتي إذا صادف العمل الموهبة، فهؤلاء البسطاء الذين تنظر إليهم نظرة احتقار، وترى أنهم دونك يمكن أن يكونوا نابغين لو صادف عملهم الموهبة. وقوله تعالى: ﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا.. ﴾ [الإسراء: 21]. فإن كان التفاضل بين الناس في الدنيا قائما على الأسباب المخلوقة لله تعالى، فإن الأمر يختلف في الآخرة لأنها لا تقوم بالأسباب، بل بالمسبب سبحانه، فالمفاضلة في الآخرة على حسبها. ولو تأملت حالك في الدنيا، وقارنته بالآخرة لوجدت الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا، فعمرك في الدنيا موقوت، وسينتهي إلى الموت لأن عمرك في الدنيا مدة بقائك فيها، فإن بقيت من بعدك فهي لغيرك، وكذلك ما فضلت به من نعيم الدنيا عرضة للزوال، حيث تناله الأغيار التي تطرأ على الإنسان. فالغني قد يصير فقيرا، والصحيح سقيما، كما أن نعيم الدنيا على قدر إمكانياتك وتفاعلك مع الأسباب، فالدنيا وما فيها من نعيم غير متيقنة وغير موثوق بها. وهب أنك تنعمت في الدنيا بأعلى درجات النعيم، فإن نعيمك هذا ينغصه أمران: إما أن تفوت هذا النعيم بالموت، وإما أن يفوتك هو بما تتعرض له من أغيار الحياة. أما الآخرة فعمرك فيها ممتد لا ينتهي، والنعمة فيها دائمة لا تزول، وهي نعمة لا حدود لها لأنها على قدر إمكانيات المنعم عز وجل، في دار خلود لا يعتريها الفناء، وهي متيقنة موثوق بها. فأيهما أفضل إذن؟ لذلك الحق سبحانه يدعونا إلى التفكر والتعقل: ﴿ انظر ﴾ أي الصفقتين الرابحة، فتاجر فيها ولا ترضى بها بديلا. إذن: فالآخرة أعظم وأكبر، ولا وجه للمقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. وأذكر أننا سافرنا مرة إلى سان فرانسيسكو فأدخلونا أحد الفنادق، لا للإقامة فيه، ولكن لمشاهدة ما فيه من روعة وجمال ومظاهر الرقي والرفاهية. وفعلا كان هذا الفندق آية من آيات الإبداع والجمال، فرأيت رفاقي وكانوا من علية القوم مبهورين به، مأخوذين بروعته، فقلت لهم عبارة واحدة: هذا ما أعد البشر للبشر، فكيف بما أعده رب البشر للبشر؟ فنعيم الدنيا ومظاهر الجمال فيها يجب أن تثير فينا الشوق لنعيم دائم في الجنة لا أن يثير فينا الحقد والحسد، يجب أن نأخذ من مظاهر الترف والنعيم عند الآخرين وسيلة للإيمان بالله، وأن نصعد هذا الإيمان بالفكر المستقيم، فإن كان ما نراه من ترف وتقدم ورقي وعمارة في الدنيا من صنع مهندس أو عامل، فكيف الحال إن كان الصانع هو الخالق سبحانه وتعالى؟ ويجب ألا نغفل الفرق بين نعيم الدنيا الذي أعده البشر ونعيم الآخرة الذي أعده الله تعالى، فقصارى ما توصل إليه الناس في رفاهية الخدمة أن تضغط على زر فيأتي لك منه الشاي مثلا، وتضغط على زر آخر فيأتي لك منه القهوة.

وهذه آلة تستجيب لك إن تفاعلت معها، لكن مهما ارتقى هؤلاء، ومهما تقدمت صناعتهم فلن يصلوا إلى أن يقدموا لك الشيء بمجرد أن يخطر على بالك لأن هذا من نعيم الجنة الذي أعده الخالق سبحانه لعباده الصالحين. إذن: فما دام كذلك، وسلمنا بأن الآخرة أفضل وأعظم، فما عليك إلا أن تبادر وتأخذ الطريق القويم، وتسلك طريق ربك من أقصر اتجاه، وهو الاستقامة على منهج الله الواحد والالتزام به. فيقول الحق سبحانه: ﴿ لا تجعل مع الله إلها آخر... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٢٤