وجعل الظلمات والنور..
[الأنعام: 1]. لأن النور محل للحركة، ولا يمكن للإنسان أن يعمل إلا بعد راحة، والراحة لا تكون إلا في ظلمة الليل. وقوله تعالى: ﴿ ولتعلموا عدد السنين والحساب.. ﴾ [الإسراء: 12]. وهذه هي العلة الأخرى لليل والنهار، حيث بمرورهما يتم حساب السنين. وكلمة " عدد " تقتضي شيئا له وحدات، ونريد أن نعرف كمية هذه الوحدات لأن الشيء إن لم تكن له كميات متكررة فهو واحد. وقوله: ﴿ السنين والحساب.. ﴾ [الإسراء: 12]. لأنها من لوازم حركتنا في الحياة، فعن طريق حساب الأيام نستطيع تحديد وقت الزراعات المختلفة، أو وقت سقوط المطر، أو هبوب الرياح. وفي العبادات نحدد بها أيام الحج، وشهر الصوم، ووقت الصلاة، ويوم الجمعة، هذه وغيرها من لوازم حياتنا لا نعرفها إلا بمرور الليل والنهار. ولو تأملت عظمة الخالق سبحانه لوجدت القمر في الليل، والشمس في النهار، ولكل منهما مهمة في حساب الأيام والشهور والسنين، فالشمس لا تعرف بها إلا اليوم الذي أنت فيه، حيث يبدأ اليوم بشروقها وينتهي بغروبها، أما بالقمر فتستطيع حساب الأيام والشهور لأن الخالق سبحانه جعل فيه علامة ذاتية يتم الحساب على أساسها، فهو في أول الشهر هلال، ثم يكبر فيصير إلى تربيع أول، ثم إلى تربيع ثان، ثم إلى بدر، ثم يأخذ في التناقص إلى أن يصل إلى المحاق آخر الشهر. إذن: نستطيع أن نحدد اليوم بالشمس والشهور بالقمر، ومن هنا تثبت مواقيت العبادة بالليل دون النهار، فتثبت رؤية رمضان ليلا أولا، ثم يثبت نهارا، فنقول: الليلة أول رمضان، لذلك قال تعالى:
هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب..
[يونس: 5]. فقوله:
وقدره..
[يونس: 5] أي: القمر لأن به تتبين أوائل الشهور، وهو أدق نظام حسابي يعتمد عليه حتى الآن عند علماء الفلك وعلماء البحار وغيرهم.
و
منازل..
[يونس: 5] هي البروج الاثنى عشر للقمر التي أقسم الله بها في قوله تعالى:
والسمآء ذات البروج * واليوم الموعود * وشاهد ومشهود
[البروج: 1-3]. ولأن حياة الخلق لا تقوم إلا بحساب الزمن، فقد جعل الخالق سبحانه في كونه ضوابط تضبط لنا الزمن، وهذه الضوابط لا تصلح لضبط الوقت إلا إذا كانت هي في نفسها منضبطة، فمثلا أنت لا تستطيع أن تضبط مواعيدك على ساعتك إذا كانت غير منضبطة تقدم أو تأخر. لذلك يقول الخالق المبدع سبحانه عن ضوابط الوقت في كونه:
الشمس والقمر بحسبان
[الرحمن: 5]. أي: بحساب دقيق لا يختل، وطالما أن الخالق سبحانه خلقها بحساب فاجعلوها ضوابط لحساباتكم. وقوله تعالى: ﴿ وكل شيء فصلناه تفصيلا.. ﴾ [الإسراء: 12]. معنى التفصيل أن تجعل بينا بين شيئين، وتقول: فصلت شيئا عن شيء، فالحق سبحانه فصل لنا كل ما يحتاج إلى تفصيل، حتى لا يلتبس علينا الأمر في كل نواحي الحياة. ومثال ذلك في الوضوء مثلا يقول سبحانه:
يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق..
[المائدة: 6]. فأطلق غسل الوجه لأنه لا يختلف عليه أحد، وحدد الأيدي إلى المرافق، لأن الأيدي يختلف في تحديدها، فاليد قد تكون إلى الرسغ، أو إلى المرفق، أو إلى الكتف، لذلك حددها الله تعالى، لأنه سبحانه يريدها على شكل مخصوص. وكذلك في قوله تعالى:
وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين..
[المائدة: 6]. فالرأس يناسبها المسح لا الغسل، والرجلان كاليد لا بد أن تحدد. فإذا لم يوجد الماء أو تعذر استعماله شرع لنا سبحانه التيمم، فقال تعالى:
فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم..
[النساء: 43]. والتيمم يقوم مقام الوضوء، من حيث هو استعداد للصلاة ولقاء الحق سبحانه وتعالى، وقد يظن البعض أن الحكمة من الوضوء الطهارة والنظافة، وكذلك التيمم لذلك يقترح بعضهم أن ننظف أنفسنا بالكولونيا مثلا. نقول: ليس المقصود بالوضوء أو التيمم الطهارة أو النظافة، بل المراد الاستعداد للصلاة وإظهار الطاعة والانصياع لشرع الله تعالى، وإلا كيف تتم الطهارة أو النظافة بالتراب؟ هذا الاستعداد للصلاة هو الذي جعل سيدنا علي زين العابدين رضي الله عنه يصفر وجهه عند الوضوء، وعندما سئل عن ذلك قال: أتعلمون على من أنا مقبل الآن؟ فللقاء الحق سبحانه وتعالى رهبة يجب أن يعمل لها المؤمن حسابا، وأن يستعد للصلاة بما شرعه له ربه سبحانه وتعالى. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه... ﴾.