ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر..
[فصلت:37].
ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام
[الشورى: 32]. وهذه الآيات تلفتنا إلى قدرة الخالق سبحانه وتعالى. - وتطلق الآيات على المعجزات التي تصاحب الرسل، وتكون دليلا على صدقهم، فكل رسول يبعث ليحمل رسالة الخالق لهداية الخلق، لا بد أن يأتي بدليل على صدقه وأمارة على أنه رسول. وهذه هي المعجزة، وتكون مما نبغ فيه قومه ومهروا لتكون أوضح في إعجازهم وأدعى إلى تصديقهم. قال تعالى:
وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون..
[الإسراء: 59]. - وتطلق الآيات على آيات القرآن الكريم الحاملة للأحكام. إذن: هذه أنواع ثلاثة، في كل منها عجائب تدعوك للتأمل، ففي الأولى: هندسة الكون ونظامه العجيب البديع الدقيق، وفي الثانية: آيات الإعجاز، حيث أتى بشيء نبغ فيه القوم، ومع ذلك لم يستطيعوا الإتيان بمثله، وفي الثالثة: آيات القرآن وحاملة الأحكام لأنها أقوم نظام لحركة الحياة. فقول الحق سبحانه: ﴿ وجعلنا اليل والنهار آيتين.. ﴾ [الإسراء: 12]. أي: كونيتين، ولا مانع أن تفسر الآيات الكونية آيات القرآن. وقوله: ﴿ فمحونآ آية اليل.. ﴾ [الإسراء: 12]. أي: بعد أن كان الضوء غابت الشمس فحل الظلام، أو محوناها: أي جعلناها هكذا، كما قلنا: سبحان من بيض اللبن. أي خلقه هكذا، فيكون المراد: خلق الليل هكذا مظلما. ﴿ وجعلنآ آية النهار مبصرة.. ﴾ [الإسراء: 12]. أي: خلقنا النهار مضيئا، ومعنى مبصرة أو مضيئة أي: نرى بها الأشياء لأن الأشياء لا ترى في الظلام، فإذا حل الضياء والنور رأيناها، وعلى هذا كان ينبغي أن يقول: وجعلنا آية النهار مبصرا فيها، وليست هي مبصرة. وهذه كما في قوله تعالى في قصة موسى وفرعون:
فلما جآءتهم آياتنا مبصرة..
[النمل: 13]. فنسب البصر إلى الآيات، كما نسب البصر هنا إلى النهار. وهذه مسألة حيرت الباحثين في فلسفة الكون وظواهره، فكانوا يظنون أنك ترى الأشياء إذا انتقل الشعاع من عينك إلى المرئي فتراه. إلى أن جاء العالم الإسلامي " ابن الهيثم " الذي نور الله بصيرته، وهداه إلى سر رؤية الأشياء، فأوضح لهم ما وقعوا فيه من الخطأ، فلو أن الشعاع ينتقل من العين إلى المرئي لأمكنك أن ترى الأشياء في الظلمة إذا كنت في الضوء. إذن: الشعاع لا يأتي من العين، بل من الشيء المرئي، ولذلك نرى الأشياء إن كانت في الضوء، ولا نراها إن كانت في الظلام. وعليه يكون الشيء المرئي هو الذي يبصرك من حيث هو الذي يتضح لك، ويساعدك على رؤيته، ولذلك نقول: هذا شيء يلفت النظر أي: يرسل إليك ما يجعلك تلتفت إليه. إذن: التعبير القرآني: ﴿ وجعلنآ آية النهار مبصرة.. ﴾ [الإسراء: 12] على مستوى عال من الدقة والإعجاز، وصدق الله تعالى حين قال:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..
[فصلت: 53]. وقوله تعالى: ﴿ لتبتغوا فضلا من ربكم.. ﴾ [الإسراء: 12]. وهذه هي العلة الأولى لآية الليل والنهار. أي: أن السعي وطلب الرزق لا يكون إلا في النهار لذلك أتى طلب فضل الله ورزقه بعد آية النهار، ومعلوم أن الإنسان لا تكون له حركة نشاطية وإقبال على السعي والعمل إلا إذا كان مرتاحا ولا تتوفر له الراحة إلا بنوم الليل. وبهذا نجد في الآية الكريمة نفس الترتيب الوارد في قوله تعالى:
ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله..
[القصص: 73]. فالترتيب في الآية يقتضي أن نقول:
لتسكنوا فيه..
[القصص: 73] أي: في الليل،
ولتبتغوا من فضله..
[القصص: 73] أي: في النهار، وعمل النهار لا يتم إلا براحة الليل، فهما - إذن - متكاملان. والحق سبحانه وتعالى جعل النهار محلا للحركة وابتغاء فضل الله لأن الحركة أمر مادي وتفاعل مادي بين الإنسان ومادة الكون من حوله، كالفلاح وتفاعله مع أرضه، والعامل وتفاعله مع آلته. هذا التفاعل المادي لا يتم إلا في ضوء لأن الظلمة تغطي الأشياء وتعميها، وهذا يتناسب مع الليل حيث ينام الناس، أما في السعي والحركة فلا بد من ضوء أتبين به الفاعل والمنفعل له، ففي الظلمة قد تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك، أو بما هو أضعف منك فتحطمه. إذن: فأول خطوات ابتغاء فضل الله أن يتبين الإنسان المادة التي يتفاعل معها. لذلك، فالحق سبحانه جعل الظلمة سابقة للضياء. فقال تعالى: