تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك فالذين يحاولون أن يلصقوا بالإسلام تهمة أنه انتشر بالسيف نقول لهم: إن حججهم ساقطة واهية، وكذلك قولهم: إن الإسلام عندما يفرض الجزية فكأنه جاء لجباية الأموال، نقول لهؤلاء: جزية على من؟ جزية على غير المؤمن، وما دام قد فرضت عليه جزية فمعنى ذلك أنه أباح له أن يكون غير مؤمن، لو كان الإسلام يكره الناس على اعتناقه لما كان هناك من نأخذ عليه جزية. إذن فالإسلام لم يكرهه، وإنما حماه من القوة التي تسيطر عليه حتى لا يكرهه أحد على ترك دينه، وهو حر بعد ذلك في أن يسلم أو لا يسلم. وكأن الذين ينتقدون الإسلام يدافعون عنه فسهامهم قد ارتدت إليهم. وهنا تساؤل قد يثور: إذا كان الأمر كذلك فلماذا كانت حروب المسلمين؟ نقول: إن حروب الإسلام كانت لمواجهة الذين يفرضون العقائد الباطلة على غيرهم، وجاء الإسلام ليقول لهؤلاء: ارفعوا أيديكم عن الناس واجعلوهم أحرارا في أن يختاروا الدين المناسب. ولماذا تركهم الإسلام أحرارا؟ لأنه واثق أن الإنسان ما دام على حريته في أن يختار فلا يمكن أن يجد إلا الحق واضحا في الإسلام. ولذلك فكثير من الناس الذين يقرأون قوله تعالى:

لا إكراه في الدين..

[البقرة: 256]. لا يفطنون إلى أن العلة واضحة في قوله سبحانه من الآية نفسها

قد تبين الرشد من الغي

[البقرة: 256]. إذن فالمسألة واضحة لماذا نكره الناس وقد وضح أمامهم الحق والباطل؟ نحن فقط نمنع الذين يفرضون عقائدهم الباطلة على الناس فأنت تستطيع أن تكره القالب، لكن لا تستطيع أن تكره القلب. ونحن نريد أن ينبع الإيمان من القلب، ولهذا يقول الحق لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين

[الشعراء: 3-4]. إن الله لا يريد أعناقا، لو كان يريد أعناقا لما استطاع أحد أن يخرج عن قدره سبحانه من يريد الله أن يبتليه بمرض أو موت فلن ينجو من قدره. إن الحق يريد إيمان قلوب لا رضوخ قوالب. فالذي يجبر الآخرين على الإيمان بالكرباج لن يتبعه أحد، وهو نفسه غير مؤمن بما يفرضه على الناس. ولو كان مؤمنا به لما فرضه على الناس بالقسر إنهم سيقبلونه عن طواعية واختيار عندما يتبين لهم أنه الحق المناسب لصلاح حياتهم. ونحن نلتفت حولنا فنجد أن النظم والحكومات التي تفرض مبادئها بالسوط والقهر تتساقط تباعا، فعندما تتخلى هذه الحكومات عن السوط والبطش فإن الشعوب تتخلى عن تلك الأفكار. والقرآن هنا يعالج هذه المسألة عندما يتحدث عن القتال وتشريع القتال، الأمر الذي اختص به الحق أمة الإسلام. وهو سبحانه لم يأذن بالقتال خلال فترة الدعوة المكية التي استمرت ثلاثة عشر عاما، ثم أذن به بعد الهجرة إلى المدينة.

وقد كان من الضروري أن يتأخر أمر القتال لأن الحق أراد أولا أن يلتفت المسلمون إلى اتباع المنهج حتى يكونوا لغيرهم قدوة، ويروا فيهم أسوة حسنة، لذلك قال الحق:

فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره..

[البقرة: 109]. وقال سبحانه أيضا:

ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم..

[الأحزاب: 48]. لماذا كل هذا التدرج؟ لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الدعوة للإسلام ستدخل البيوت العربية، فسيضم البيت الواحد كافرا بالله ومؤمنا بالله، ولو أنه سبحانه وتعالى شرع القتال من البداية لصار في كل بيت معركة. ثم إن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن تلك القبائل العربية بها كثير من خفة وطيش وسفه وكانوا يقتتلون لأتفه الأسباب فمن أجل ناقة ضربها كليب بسهم في ضرعها فماتت اشتعلت الحرب أربعين سنة. وفي ذلك يقول الشاعر عند الحفيظة والغضب:

قوم إذا الشر أبدى - ناجذيه لهم -

طاروا إليه زرافات ووحدانا

والثاني يقول:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

في النائبات على ما قال برهانا

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٠