تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب

[البقرة: 177] التي جاءت منصوبة لأن موقعها من الإعراب هو " خبر مقدم لليس ". حاول المستشرقون أن يأخذوا هذا الاختلاف في الرفع والنصب على القرآن الكريم. ونقول لهم: أنتم قليلو الفطنة والمعرفة باللغة العربية، فماذا نفعل لكم؟. يصح أن نجعل الخبر مبتدأ فنقول: " زيد مجتهد " ، هذا إذا كنا نعلم زيدا ونجهل صفته، فجعلنا زيدا مبتدأ، ومجتهدا خبرا. لكن إذا كنا نعرف إنسانا مجتهدا ولا نعرف من هو فإننا نقول: " المجتهد زيد ". إذن فمرة يكون الاسم معروفا لك فتلحق به الصفة، ومرة تجهل الاسم وتعرف الوصف فتلحق الاسم بالوصف. وهذا سر اختلاف الرفع والنصب في كلمة " البر " في كل من الآيتين. ونقول للمستشرقين: إن لكل كلمة في القرآن ترتيبا ومعنى، فلا تتناولوا القرآن بالجهل، ثم تثيروا الإشكالات التي لا تقلل من قيمة الكتاب ولكنها تكشف جهلكم. ثم ما هو " البر "؟ قلنا: إن البر هو الشيء الحسن النافع. ولو ترك الله لنا تحديد " البر " لاختلفت قدرة كل منا على فهم الحسن والنافع باختلاف عقولنا فأنت ترى هذا " حسنا " وذاك يرى شيئا آخر، وثالث يرى عكس ما تراه، لذلك يخلع الله يدنا من بيان معنى البر، ويحدد لنا سبحانه مواصفات الحسن النافع، فما من واحد ينحرف ويميل إلى شيء إلا وهو يعتقد أنه هو الحسن النافع، ولذلك يقول الحق: ﴿ ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ﴾ [البقرة: 189].

إن هذا يدلنا على أن كل غاية لها طريق يوصل إليها، فاذهب إلى الغاية من الطريق الذي يوصل إليها. ويتبع الحق قوله عن البر: ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ [البقرة: 189]. لا تزال كلمة التقوى هي الشائعة في هذه السورة، وكل حكم يعقبه السبب من تشريعه وهو التقوى. ونعرف أن معنى التقوى هو أن تتقي معضلات الحياة، ومشكلاتها بأن تلتزم منهج الله. وساعة ترى منهج الله وتطبقه فأنت اتقيت المشكلات، أما من يعرض عن تقوى الله فإن الحق يقول عن مصيره:

فإن له معيشة ضنكا

[طه: 124]. ولا يظن أحد أن التقوى هي اتقاء النار، لا، إنها أعم من ذلك، إنها اتقاء المشكلات والمخاطر التي تنشأ من مخالفة منهج الله، وليعلم الإنسان أن كل مخالفة ارتكبها لابد أن يمر عليها يوم ترتكب فيه هذه المخالفة كما ارتكبها في غيره، فمن لا يحب أن تجرى فيه المخالفات فعليه ألا يرتكب المخالفات في غيره. وبعد ذلك ينتقل الحق إلى قضية أخرى، وهذه القضية الأخرى هي التي تميز الأمة الإسلامية بخصوص فريدة لأنه سبحانه قد أوجد وفطر هذه الأمة على منهاج قويم لم تظفر به أمة من قبل، وهذه الخصوصية هي أن الله قد أمن أمة محمد على أن تؤدب الخارجين على منهج الله فقديما كانت السماء هي التي تؤدب هؤلاء الخارجين عن المنهج. كان الرسول يشرح ويبلغ المنهج، فإن خالفه الناس تتدخل السماء وتعاقبهم، إما بصاعقة، وإما بعذاب، وإما بفيضان، وإما بأي وسيلة. ولم يكن الرسل مكلفين بحمل وقسر الناس على المنهج. وحين سأل بنو إسرائيل ربهم أن يقاتلوا، لم يكن قتالهم من أجل الدين مصداقا للآية الكريمة:

قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا..

[البقرة: 246]. علة القتال - إذن - أنهم أخرجوا من بيوتهم وأجبروا على ترك أولادهم، فهم عندما سألوا القتال لم يسألوه للدفاع عن العقيدة، وإنما لأنهم أخرجوا من ديارهم وأولادهم. أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهي التي أمنها الله على أن يكون في يدها الميزان، وليس هذا الميزان ميزان تسلط، وإنما هو ميزان يحمي كرامة الإنسان بأن يصون له حرية اختياره بالعقل الذي خلقه الله، فلا إكراه في الإيمان بالله. وقد شرع الله القتال لأمة محمد لا ليفرض به دينا، ولكن ليحمي اختيارك في أن تختار الدين الذي ترتضيه. وهو يمنع سدود الطغيان التي تحول دونك ودون أن تكون حرا مختارا في أن تقبل التكليف.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٩