تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ..

[الزخرف: 45]. والرسول صلى الله عليه وسلم إذا أمره ربه أمرا نفذه، فكيف السبيل إلى تنفيذ هذا الأمر: واسأل من سبقك من الرسل؟ لا سبيل إلى تنفيذه إلا في لقاء مباشر ومواجهة، فإذا حدثنا بذلك رسول الله في رحلة الإسراء والمعراج نقول له: صدقت، ولا يتسلل الشك إلا إلى قلوب ضعاف الإيمان واليقين.

فالفكرة في هذه القضية - الإسراء والمعراج - دائرة بين يقين المؤمن بصدق رسول الله، وبين تحكيم العقل، وهل استطاع عقلك أن يفهم كل قضايا الكون من حولك؟ فما أكثر الأمور التي وقف فيها العقل ولم يفهم كنهها، ومع مرور الزمن وتقدم العلوم رآها تتكشف له تدريجيا، فما شاء الله أن يظهره لنا من قضايا الكون يسر لنا أسبابه باكتشاف أو اختراع، وربما بالمصادفة. وما العقل إلا وسيلة إدراك، كالعين والأذن، وله قوانين محددة لا يستطيع أن يتعداها، وإياك أن تظن أن عقلك يستطيع إدراك كل شيء، بل هو محكوم بقانون. ولتوضيح ذلك، نأخذ مثلا العين، وهي وسيلة إدراك يحكمها قانون الرؤية، فإذا رأيت شخصا مثلا تراه واضح الملامح، فإذا ما ابتعد عنك تراه يصغر تدريجيا حتى يختفي عن نظرك، كذلك السمع تستطيع بأذنك أن تسمع صوتا، فإذا ما ابتعد عنك قل سمعك له، حتى يتوقف إدراك الأذن فلا تسمع شيئا. كذلك العقل كوسيلة إدراك له قانون، وليس الإدراك فيه مطلقا. ومن هنا لما أراد العلماء التغلب على قانون العين وقانون الأذن حينما تضعف هذه الحاسة وتعجز عن أداء وظيفتها صنعوا للعين النظارة والميكروسكوب والمجهر، وهذه وسائل حديثة تمكن العين من رؤية ما لا تستطيع رؤيته. وكذلك صنعوا سماعة الأذن لتساعدها على السمع إذا ضعفت عن أداء وظيفتها. إذن: فكل وسيلة إدراك لها قانونها، وكذلك العقل، وإياك أن تظن أن عقلك يستطيع أن يدرس كل شيء، ولكن إذا حدثت بشيء فعقلك ينظر فيه، فإذا وثقته صادقا فقد انتهت المسألة، وخذ ما حدثت به على أنه صدق. وهذا ما حدث مع الصديق أبي بكر رضي الله عنه حينما حدثوه عن صاحبه صلى الله عليه وسلم، وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس، فما كان منه إلا أن قال: " إن كان قال فقد صدق ". فالحجة عنده إذن قول الرسول، وما دام الرسول قد قال ذلك فهو صادق، ولا مجال لعمل العقل في هذه القضية، ثم قال " كيف لا أصدقه في هذا الخبر، وأنا أصدقه في أكثر من هذا، أصدقه في خبر الوحي يأتيه من السماء ". فآية الإسراء - إذن - كانت آية أرضية، يمكن أن يقام عليها الدليل، ويمكن أن يفهم الناس عنها أن القانون قد خرق لمحمد في الإسراء، فإذا ما أتى المعراج وخرق له القانون فيما لا يعلم الناس كان أدعى لتصديقه. والمتأمل في هذه السورة يجدها تسمى سورة الإسراء، وتسمى سورة بني إسرائيل، وليس فيها عن الإسراء إلا الآية الأولى فقط، وأغلبها يتحدث عن بني إسرائيل، فما الحكمة من ذكر بني إسرائيل بعد الإسراء؟ سبق أن قلنا: إن الحكمة من الكلام عن الإسراء بعد آخر النحل أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم كان في ضيق مما يمكرون، فأراد الحق سبحانه أن يخفف عنه ويسليه، فكان حادث الإسراء، ولما ألف بنو إسرائيل أن الرسول يبعث إلى قومه فحسب، كما رأوا موسى عليه السلام.

فعندما يأتي محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: أنا رسول للناس كافة سيعترض عليه هؤلاء وسيقولون: إن كنت رسولا فعلا وسلمنا بذلك، فأنت رسول للعرب دون غيرهم، ولا دخل لك ببني إسرائيل، فلنا رسالتنا وبيت المقدس علم لنا. لذلك أراد الحق سبحانه أن يلفت إسرائيل إلى عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن هنا جعل بيت المقدس قبلة للمسلمين في بداية الأمر، ثم أسرى برسوله صلى الله عليه وسلم إليه: ليدلل بذلك على أن بيت المقدس قد دخل في مقدسات الإسلام، وأصبح منذ هذا الحدث في حوزة المسلمين. ثم يبدأ الحديث عن موسى عليه السلام وعن بني إسرائيل، فيقول تعالى: ﴿ وآتينآ موسى الكتاب... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٩٠